تحليلات و آراء

المقاومة ليست محل خلاف… لكن إدارة المقاومة هي موضع السؤال

حيدر العيلة ..
غزة – فلسطين

لستُ ضد المقاومة المسلحة، ولن أكون، فالمقاومة، بكل أشكالها التي اقرها القانون الدولي، هي حق مشروع لشعب يعيش تحت الاحتلال، وهي الطريق الطبيعي نحو الحرية، لا طريق المساومة على الحقوق الوطنية.
لكن الإيمان بالمقاومة لا يعني تغييب العقل، ولا إعفاء أحد من المساءلة، ولا تحويل الشعارات إلى بديل عن رؤية سياسية واضحة ومدروسة.

من هنا، تبدو تصريحات قادة حركة حماس، حول “تفعيل المقاومة والثورة حتى تحرير كامل فلسطين”، بحاجة إلى إجابات أكثر من حاجتها إلى التصفيق.
فكيف يمكن الحديث عن تصعيد المقاومة في الوقت الذي تدور فيه مفاوضات بشأن مستقبل سلاح المقاومة في غزة؟ وكيف يمكن الجمع بين خطاب التعبئة الثورية، وبين واقع سياسي فُرض علينا وقبلناه، قد يفضي إلى ترتيبات تمس جوهر المقاومة ذاتها؟

المقاومة ليست خطابات تُلقى أمام الجماهير المنكوبة، بل استراتيجية وطنية تقوم على وضوح الأهداف، ودقة الحسابات، والقدرة على حماية الشعب قبل الزج به في مواجهات مفتوحة، أما المقاومة التي لا توازن بين الإنجاز والكلفة، ولا تقرأ موازين القوى، فقد تتحول، مهما كانت نواياها، إلى عبء يدفع الشعب وحده ثمنه.

لقد دفعت غزة ثمنا باهظا من دماء أبنائها، ودُمرت مدنها وبنيتها التحتية ومقومات الحياة فيها، ومن حق الناس، أن يسألوا: كيف ستُستأنف المقاومة إذا انتهت المفاوضات إلى تسليم سلاح المقاومة؟ وما هي الخطة الواقعية التي تُطرح على الشعب الذي يعيش مأساة غير مسبوقة، بعيدا عن الخطابات الرنانة؟
هذا ليس سؤال معادي للمقاومة، بل سؤال يفرضه احترام العقل، واحترام التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني.
من حق الشعب أن يعرف إلى أين يُقاد، وما هي الاستراتيجية التي تُبنى عليها القرارات المصيرية، وما إذا كانت هناك مراجعة حقيقية للتجربة، أم أننا ما زلنا نكرر الشعارات ذاتها، مهما تغيرت الوقائع وتبدلت الموازين.

فالشعوب لا تطلب من قياداتها أن تكون معصومة من الخطأ، لكنها تنتظر منها الشجاعة في الاعتراف به، واستخلاص الدروس منه، وتصحيح المسار، أما العودة إلى الخطاب ذاته، وإعادة إنتاج الشعارات نفسها، من دون مراجعة أو محاسبة أو تقييم سياسي جاد، فلا تبني ثقة، ولا تؤسس لاستراتيجية وطنية قادرة على مواجهة التحديات المقبلة.

إن المراجعة ليست تراجعا عن خيار المقاومة، كما أنها ليست دعوة للتخلي عن الثوابت الوطنية، بل هي شرط لنجاح أي مشروع تحرري.
فالاعتراف بالأخطاء لا يُضعف المشروع الوطني، وإنما يمنحه المصداقية، لأن المقاومة التي تتعلم من تجاربها، وتراجع أدواتها وقراراتها، هي وحدها القادرة على الاستمرار وتحقيق أهدافها، أما تكرار الشعارات نفسها من دون مراجعة، فلن يؤدي إلا إلى تكرار الأخطاء نفسها، ودفع أثمان جديدة من دماء الشعب ومستقبله.

لقد أثبتت تجربة أوسلو، التي اتُّخذت بقرارٍ متسرع ومنفرد، أن التنازلات لا تصنع سلاما ولا تستعيد حقوقا، كما أثبتت تجربة السابع من أكتوبر، وما أعقبها من حرب مدمرة، أن القرارات المصيرية التي تُتخذ بصورة منفردة، ومن دون قراءة دقيقة لموازين القوى وتقدير موضوعي لعواقبها، قد تتحول إلى وبال على الشعب والقضية الوطنية، مهما كانت الدوافع أو النوايا التي وقفت وراءها.

إن فلسطين أكبر من أي فصيل، والمقاومة ليست ملكا لتنظيم بعينه، والتحرير لن يكون ثمرة قرار منفرد، ولا نتيجة رؤية تحتكر الحقيقة الوطنية، فالمشروع الوطني لا يُبنى بالشعارات الحماسية، ولا بالإقصاء، ولا بالمساومة والتفريط بالحقوق، بل بالشراكة الوطنية، ووحدة القرار، ورؤية سياسية تجمع بين حق المقاومة وحكمة إدارتها، لأن الشعوب لا تنتصر بالشجاعة وحدها، بل أيضا بحسن التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى