مفارقة.. نزع طائرات أطفال غزة الورقية؟!!

سليم الزريعي
يبدو أن ما جرى من أطفال غزة من تحطيمهم طائراتهم الورقية، أنهم يتمتعون بحس عال من المسؤولية، إذا لم يكن ما قاموا به هو سيناريو معد من أطراف أخرى باسم أطفال غزة.
فإذا كانوا هم أصحاب المبادرة، فهم بالتأكيد عندما قايضوا متعة طفولتهم سدا لذرائع العدو، كانوا أكثر إحساسا بالمسؤولية، وتقديرا لمعنى تهديد الكيان الصهيوني، كخطر موضوعي، عندما اعتبر طائراتهم الورقية، بمثابة أعمال عسكرية تستوجب استهداف أماكن إطلاقها، وهم الذين خبروا العدو مرتكب محرقة غزة الممتدة حتى الآن، عندما كان أطفال غزة يكتبون أسماءهم على أطرافهم، حتى يمكن التعرف على جثامينهم الممزقة، بعد استهداف بيوتهم، أو ملاعبهم، أو خيام نزوحهم بالقصف..
إن المعنى الأخلاقي في تصرف هؤلاء الأطفال، أنهم مارسوا فضيلة الحرص على مجتمعهم، أكثر من بعض القوى الفصائلية، التي هي من منحت الكيان فرصة، تدمير غزة وإبادة جزء من أهلها.’ ليس لأن طوفانهم كان مقاومة، وإنما لأنه وفق المعطيات والوقائع والنتائج كان “مقامرة”.
لكن المفارقة هي في إعلان حماس أنها أوعزت لأولياء أمور الأطفال منعهم من اللعب بطائراتهم الورقية، تنفيذا لتهديد الكيان، وتوصيف مجلس ترمب لما يسمى السلام، من أن الطائرات الورقية تمثل تهديدا للكيان.
في حين أنه ما من عاقل، يمكن أن يعتبر أن الطائرة الورقية، يمكن أن تشكل تهديدا بالمعنى المادي، على الكيان الصهيوني، وإنما هو يعتبرها بعد كل ما جرى في غزة، وإعلان حماس التخلي عن سلاحها، أنه ابتزاز مقصود من قبل الحركة.
لكن السؤال الموجع، يتعلق بسرعة مبادرة حماس إعلانها الاستجابة للضغط الصهيوني ومجلس السلام العالمي بالايعاز الى أولياء الأطفال، ضبطهم بعدم تكرار ذلك، حتى لا تكون طائراتهم الورقية ذريعة للعدو، لاستهداف أهل غزة في أماكن نزوحهم، وبيوتهم، ومصادرة حيوات أطفالهم.
لكن السؤال المستفز هنا ببعده الفكري والأخلاقي، هو إذا كان هذا الطفل هو صاحب هذه المبادرة، جراء إحساسه بالمسؤولية العالية، التي جعلته يتنازل عن لعبته، فإن سؤال المقارنة هنا، يوجه إلى حماس التي، سارعت إلى إعلان براءتها من تلك الطائرات، بالقول إنها أوعزت بعدم إعطاء العدو ذريعة لاستمرار القتل في غزة، وهي تعرف تماما أنها مجرد لعبة، ومع ذلك ردت ذلك إلى الحرص على أهل غزة وسحب الذرائع من الكيان.
لكن سؤال النزاهة الفكرية والسياسية والأخلاقية، هو في إحساس أطفال غزة بالمسؤولية، عندما تخلوا عن طائراتهم الورقية، وهو درس كان يجب أن تقوم به حماس منذ أكثر من سنتين، لو كانت فعلا حريصة على أهل غزة، أي بعد طوفانها، لأن توجهات العدو كانت واضحة كالشمس. في أنه سينتقم من حماس في أهل غزة.
ومع ذلك لم تحاول حماس نزع ذرائع العدو في وقت مناسب كما فعل الطفل، يجنب القطاع النكبة، كما فعلت مع أطفال غزة، في حين أنها استجابت لكل شروط العدو وفق خطة ترمب، لكن بعد كل الخراب الذي طال القطاع وأهله، كما أنها وافقت على وضع القطاع تحت الوصاية، بتوقيعها على تلك الخطة التي باتت قرارا أمميا لمجلس الأمن، ومغادرة الحكم ونزع سلاحها، وترتيبات إلى أهل غزة تستهدف الوعي والذاكرة حفاظا على أمن الكيان الراهن وفي المستقبل.
هنا يبدو سؤال المقارنة ضروريا، أولا بين أطفال غزة من جانب، وحماس ومن معها من الفصائل من جانب آخر في التعامل مع ذرائع العدو، ذلك أنه في التعامل مع الذرائع، كان الأطفال؛ إن صحت الرواية، هم أصحاب مبادرة نزع الذرائع، فإنهم بذلك يكونون أعلى مسؤولية وطنية، من حماس ومن معها من القوى. أما إذا كان سيناريو رتبته حماس، فإن مسارعة حماس للقول إنها طلبت من الأهالي منع أطفالهم من اللعب بالطائرات، فإن السؤال عندئذ، لماذا يا حماس لم تفعلي ذلك من قبل، فيما يتعلق بالسلاح، وسيطرتك على غزة، طالما أن سلاحك، لم يبتعد كثيرا في فعاليته عن طائرات أطفال غزة الورقية، لأنه لو كان فاعلا، لكان جنب غزة وأهلها كل هذا الخراب والموت الذي أصاب القطاع، وانتهي بخروجك من سلطة الأمر الواقع، ونزع سلاح كل القوى في غزة، وأن يكون القطاع خاليا من السلاح.
إن السؤال الموجع والحال هذه هو، إذا كانت الأمور ستؤول إلى ما آلت إليه، من وصاية على غزة، ونزع السلاح، وأن لا يكون لحماس أي دور في حكم غزة بشكل أو غير مباشر، وتسليم حماس ومن حولها بذلك، فلم لم يحدث ذلك قبل خراب غزة، عندما كان الوقت من دم في غزة، الذي ترافق مع
استباحة الضفة والقدس؟!
المدهش أنه لا أحد حتى الآن، اعتذر لأهل غزة عن سوء التقدير الي جر كل هذا الخراب، سيما وأن تقارير حول رد فعل العدو على العملية العسكرية، كتبها بيده صاحب القرار العسكري في حماس حينها يحيي السنوار، يشير إلى احتمال استخدام العدو السلاح الذري، ومع ذلك نفذت حماس تلك “المقامرة”، التي طالت اراتداتها الكارثية، العديد من الدول العربية المجاورة، وغيرت المشهد الجيوسياسي في المنطقة لصالح العدو على الأقل راهنا.
وإذا كان العدو هو من يتحمل مسؤولية القتل وكل الخراب الذي لحق بغزة وأهلها، فإن الحد الأدنى من المسؤولية الفكرية والسياسية والأخلاقية توجب على من تسبب في ذلك وانتهى بوصاية دولية، وفصل غزة عن الضفة، أن يتحمل المسؤولية المعنوية على الأقل، كون الشجاعة هي في النقد ولو كان جارحا، عوض ادعاء انتصارات وهمية، والقول إن ما يقوم هو تعزيز صمود أهل غزة، وهي لغة وخطاب مجافي، كون أهل غزة كانوا في سجن كبير بدأ عقب انقلابها عام 2007، وكأن حيوات الألاف من الشهداء والمصابين بلا معنى، وهي التي منحت للعدو الفرصة، حسب تعبير أحد مسؤولي الفصائل أثناء اجتماع مع حماس.
إن غياب النقد والمراجعة وتحمل المسؤولية، هو شرط الصمود، وليس التضليل والتهرب من المسؤولية، وكأن شيئا لم يحدث.
وأخيرا، إذا كان صحيحا أن الطفل الذي حطم طائرته هو صاحب المبادرة، فإنه يضع حماس في مأزق فكري واخلاقي، بسبب سلوكها ومماطلتها في سد الذرائع مبكرا، طالما أنها في النهاية سلمت بوضع غزة تحت الوصاية، بكل ما يترتب على ذلك… وهو فيما أظن العيب بالمعنى السياسي والفكري.. يا مقاومة…؟!!!










