آخر الأخبارتحليلات و آراء

الجنوب بين اعاده تشكيل الانتقالي و مآلات الحوار الجنوبي

تلخبطت الرصّة السياسية في الجنوب، واختلطت الأوراق إلى درجة أصبح معها من الصعب معرفة ما الذي يُراد للجنوب، ومن الذي يرسم ملامح المرحلة المقبلة، وما إذا كانت التطورات الأخيرة مقدمة لإعادة إنتاج المشهد السابق بصورة جديدة، اًم محاوله لفتح مسار سياسي مختلف لقضية الجنوب٠

اًنه بعد كل ما جرى، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: هل سيعود المجلس الانتقالي الجنوبي؟ بل أصبح السؤال الأهم: بأي صورة سيعود؟، لانه من غير الممكن الغاىًه مهما كان الاختلاف معه ٠ فقد أصبح خلال السنوات الماضية تعبير سياسي اساسي لقضية الجنوب، ولهذا فإن محاولة تجاوزه هي قفز على الواقع٠

ان الأرجح في المرحلة المقبلة ان تشهد إعادة تشكيل للانتقالي، بحيث يصبح أكثر انسجامًا مع الرؤية الإقليمية للمرحلة القادمه، والحقيقه ان المعيار الحقيقي يجب أن يكون: ما هو المشروع السياسي الذي سيجمع عليه الجنوبيون؟ ومن يملك تفويضًا حقيقيًا للتعبير عنه؟ وهل سيأتي الحوار الجنوبي من الرياض؟٠

ان الحديث عن الحوار الجنوبي برعاية سعودية هو فكره، ولكنه في الوقت ذاته يثير أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا الحوار وأهدافه وحدوده ٠ فالحوار في حد ذاته ليس مشكلة؛ بل ربما يكون ضرورة. والمشكلة تكمن في وظيفة الحوار، وهل سيكون حوارًا جنوبيًا حقيقيًا تبحث فيه المكونات الجنوبية عن صيغة سياسية مشتركة لمستقبل الجنوب؟ أم سيكون مجرد آلية لإعادة ترتيب القوى الجنوبية، وتوزيع المواقع والنفوذ، ثم تقديم ذلك باعتباره حلًا لقضية الجنوب؟

انه إذا ما كان الحوار سيختزل القضية في تقاسم المناصب، وإعادة توزيع النفوذ، وإدخال بعض القوى وإخراج بعضها الآخر، ثم إنتاج صيغة جديدة من الشراكة السياسية، فإن ذلك لن يكون حلًا للقضية، وإنما سيكون تأجيلًا لها ٠ أما إذا ما انطلق من الاعتراف بأن للجنوب قضية سياسية وحقًا في تقرير مستقبله، وأنه هو صاحب الحق في تقرير مصيره، فإن الحوار يمكن أن يتحول من وسيلة احتواء إلى فرصة حقيقية للحل.

اًن واحدة من أكبر الهواجس الجنوبية هي: أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة إنتاج القوى التي يرى قطاع واسع من الجنوبيين أنها كانت جزءًا من الأزمة، وفي مقدمتها تيارات الإسلام السياسي والقوى المرتبطة به، أو بعض القوى السلفية التي تحاول تقديم نفسها باعتبارها بديلًا عن المشروع السياسي الجنوبي. وهنا يجب أن تكون المسألة واضحة٠

انه ليس المطلوب إقصاء أي مكون جنوبي لمجرد هويته السياسية أو الفكرية، ولكن المطلوب أيضًا ألا تُفرض على الجنوب قوى لا تمتلك تفويضًا شعبيًا حقيقيًا، وأن لا تتحول التوازنات الإقليمية إلى بديل عن الإرادة الجنوبية ٠ فالجنوب ليس ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين تيارات متنافسة باعتبار الجنوب أكبر من اًي مكون ٠ فهي اكبر من الانتقالي واكبر من الإصلاح، وأكبر من السلفيين، وأكبر من أي شخصية أو حزب أو تنظيم.

انه إذا ما كان هناك إسلاميون في الجنوب، فلهم حقهم كمواطنين وسياسيين. وإذا كان هناك سلفيون، فلهم حقهم السياسي. وإذا كان هناك مستقلون ومكونات اجتماعية وقبلية ومدنية، فلهم الحق نفسه، ولكن الفاصل الحقيقي يجب أن يكون: من يمتلك مشروعًا سياسيًا، ومن يمتلك تفويضًا شعبيًا، ومن يتبنىً حق شعب الجنوب في تحديد مستقبلهم؟٠
انه ربما يكون من الصعب تصور حوار جنوبي بعيدًا بالكامل عن السعودية بحكم ثقلها السياسي والأمني والجغرافي في الملف اليمني، ولكن هذا لا يعني أن تكون الرياض هي الخصم والحكم والوسيط وصاحبة القرار في آن واحد٠

ان الطريقه الأكثر واقعية، هي في حوار قد تستضيفه أو ترعاه السعودية، ولكن ضمن مظلة وضمانات دولية واضحة ٠ فوجود رعاية دولية لاتعني استبعاد المملكه، كما أن الرعاية السعودية لا ينبغي ان تستبعد المجتمع الدولي، لإن الوجود الدولي يمنح الحوار قدرًا أكبر من الثقة، خصوصًا في ما يتعلق بمخرجاته وآليات تنفيذها٠

ان المشكلة ليست في أن يكون الحوار في الرياض أو جنيف أو عدن، وانما المشكلة في مضمون الحوار، وفي الأطراف التي تختارها الجهة الراعية، وفي السقف السياسي الذي يسمح لها بمناقشته، لاًن المعركه لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت إلى حد كبير معركة سياسية حول قضية شعب الجنوب ومن يمثلها.

ان الجنوبيين إذا ما دخلوا الحوار بعشرات الرؤى المتناقضة، وبقي كل طرف يبحث عن موقعه الخاص، فسيكون من السهل على الآخرين أن يتولوا تصنيف القضية نيابة عنهم، واذا ما ابتعدوا عن الذاتيه وتوحدوا في راًي واحد حول قضيتهم واحتكموا لارادة شعبهم سيكون اكثر نجاحا٠

ان اي حوار يهدف إلى اختزال قضية الجنوب في مناصب سلطوية وشراكات شكلية، أو إلى إعادة تدوير القوى القديمة تحت عناوين جديدة، فلن يكن قادرًا على إنتاج حل مستدام، وفي المقابل، فإن الحوار الذي يعترف بأن الجنوب يمتلك قضية سياسية حقيقية، ويضع إرادة شعب الجنوب في مركز العملية السياسية، ويمنح شعب الجنوب حقه في تحديد مستقبله، ويخضع المخرجات لذلك بضمانات إقليمية ودولية، فيمكن أن يكون بداية لمسار مختلف، ولعل أخطر ما يواجه الجنوب اليوم ليس خصومه وحدهم، وإنما تشتت الرؤىً الذاتيه للمكونات المختلفه ٠ فالمرحلة القادمة قد لا تكون معركة على الأرض بقدر ما ستكون معركة على الطاولة: من يتحدث باسم الجنوب؟ ماذا يريد الجنوب؟ ومن يملك حق تقرير مستقبله؟٠

ان الجنوب هو القضية، والجنوبيين هم أصحابها، وطالما أننا ما زلنا أحياء، نتنفس، ونراقب، ونختلف، ونتجادل، فالحكاية لم تنتهِ بعد. بل ربما تكون قد دخلت أصعب فصولها وأكثرها حساسية.

المهندس علي المصعبي
امين عام حزب جبهة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى