تحليلات و آراء

لقاء فتح والجبهة الشعبية .. هل يفتح الطريق أمام الشراكة الوطنية؟

حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين
26 آب/أغسطس 2026

تواجه القضية الفلسطينية اليوم واحدة من أخطر مراحلها وأكثرها تعقيداً. فحرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، وما رافقها من تهجير ودمار واسع، تتزامن مع تصاعد الاستيطان والاقتحامات في الضفة الغربية والقدس، وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، ومحاولات فرض واقع جديد يستهدف فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، بما يهدد وحدة الأرض والشعب والكيانية الوطنية والتمثيل السياسي الفلسطيني.

هذه ليست مجرد مخاطر متفرقة، وإنما مسار متكامل يستهدف القضية الفلسطينية في جوهرها، ويجعل استمرار الانقسام الفلسطيني أكثر من مجرد خلاف سياسي داخلي؛ إذ يتحول، في ظل هذه الظروف، إلى عامل ضعف في مواجهة مشاريع الاحتلال وإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.

وفي هذا السياق، يكتسب اللقاء الذي جمع “حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” في القاهرة أهمية سياسية خاصة، ليس باعتباره لقاءً ثنائياً عابراً، وإنما باعتباره فرصة لفتح نافذة جديدة في جدار الانقسام. فالحوار بين قوتين سياسيتين لهما تاريخهما وثقلهما في الساحة الفلسطينية يمكن أن يشكل مدخلاً لتوسيع دائرة الحوار، إذا تجاوز حدود المجاملات وتبادل المواقف إلى البحث الجدي في القضايا الوطنية الكبرى، ووضع أسس لشراكة سياسية حقيقية.

والمطلوب ألا يبقى هذا اللقاء حدثاً منفرداً، بل أن يتحول إلى خطوة أولى نحو حوارات أوسع تشمل مختلف القوى والفصائل، وصولاً إلى حوار وطني شامل يعيد الاعتبار للمصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية.

اللقاء بين الفصيلين تناول عدداً من القضايا الوطنية والسياسية التي تفرض نفسها بإلحاح على الساحة الفلسطينية، وفي مقدمتها السؤال الأهم: كيف نحمي شعبنا وقضيته الوطنية في ظل المخاطر والتحديات المتصاعدة؟ وكيف نخرج من حالة التشرذم والانقسام إلى حالة من الوحدة والشراكة الوطنية؟ كما طرحت قيادة الجبهة أهمية الانتقال من الحوارات الثنائية إلى حوار وطني شامل، ومن التفاهمات التي تبقى في إطارها النظري إلى برامج عمل وخطوات عملية قابلة للتنفيذ.

وأعتقد أن الأهم في هذا اللقاء ليس مجرد ما طُرح من قضايا، وإنما ما يمكن أن يفتح له من أفق سياسي. فالدعوة إلى عقد اجتماع عاجل للأمناء العامين للفصائل والقوى الفلسطينية يجب أن تتحول إلى خطوة فعلية، تضع القضايا الأكثر إلحاحاً أمام حوار وطني جاد، بعيداً عن الحسابات الفئوية ومنطق إدارة الانقسام.

والأهم أن يقود هذا الحوار إلى إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وإعادة الاعتبار لدورها ومؤسساتها، بما يضمن مشاركة مختلف القوى الفلسطينية في صياغة القرار الوطني. كما أن الحاجة باتت ملحّة للاتفاق على برنامج سياسي مشترك يمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تلتقي عنده القوى الفلسطينية، ويمنحها القدرة على مواجهة القضايا المصيرية التي تهدد حاضر شعبنا ومستقبل قضيته.

فالمطلوب اليوم ليس إضافة اجتماع جديد إلى سجل الاجتماعات، وإنما فتح مسار وطني مختلف؛ مسار يحوّل الحوار إلى قرارات، والقرارات إلى برامج عمل، والبرامج إلى شراكة وطنية قادرة على حماية الشعب والقضية في هذه المرحلة الخطيرة.

التضحيات يجب أن تكون مرجعية القرار

في غزة، دفع شعبنا ثمناً هائلاً من الدم والدمار والنزوح والفقدان، كما يواجه شعبنا في الضفة والقدس والشتات ظروفاً بالغة الصعوبة. وهذه التضحيات لا يجوز أن تتحول إلى مجرد أرقام في البيانات السياسية، ولا إلى أوراق تستخدمها الفصائل في حسابات المواقع والنفوذ والحصص.

إن دماء الشهداء، ومعاناة الجرحى والأسرى والنازحين، وصمود شعبنا في غزة والضفة والقدس والشتات، يجب أن تكون المرجعية الأخلاقية والسياسية لأي حوار وطني قادم.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: من يملك القرار؟ ومن يحصل على الحصة الأكبر؟ ومن يسيطر على هذه المؤسسة أو تلك؟

السؤال الحقيقي هو: كيف نحمي الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية من أخطر مرحلة تمر بها؟

الانقسام لم يعد يحتمل

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إدارة الانقسام لا تنتج حلاً، وأن تأجيل المصالحة وتحويل الخلافات السياسية إلى حالة دائمة يستنزف القضية الفلسطينية ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات.

ولذلك لم يعد المطلوب إدارة الانقسام، وإنما الانتقال إلى شراكة وطنية حقيقية.

وهذا لا يعني إلغاء الاختلافات بين الفصائل والقوى السياسية، فالاختلاف طبيعي ومشروع، ولا يعني أيضاً أن تتخلى أي قوة عن برنامجها أو رؤيتها. المطلوب هو إدارة الاختلاف داخل إطار وطني جامع، والاتفاق على الحد الأدنى الذي يحمي القضية والشعب.

من الحوار إلى النتائج

لقد عقد الفلسطينيون عشرات الحوارات واللقاءات خلال السنوات الماضية، لكن المشكلة لم تكن في نقص الاجتماعات، وإنما في غياب الإرادة لتحويل التفاهمات إلى خطوات عملية.

لذلك يمكن أن تبدأ المرحلة المقبلة بحوارات ثنائية بين القوى الفلسطينية، لكنها يجب أن تتطور سريعاً إلى حوار وطني شامل، لا ينتهي ببيان جديد، وإنما يفضي إلى برنامج سياسي مشترك، وآليات تنفيذ واضحة، وجدول زمني محدد.

فالمرحلة لا تحتمل حواراً بروتوكولياً جديداً، ولا صوراً جماعية أمام الكاميرات، ثم عودة كل طرف إلى حساباته السابقة.

اجتماع عاجل للأمناء العامين

أمام خطورة المرحلة، تبرز الحاجة إلى عقد اجتماع عاجل للأمناء العامين للقوى والفصائل الفلسطينية، على أن يكون اجتماعاً سياسياً حقيقياً، لا مناسبة إعلامية.

وينبغي أن يبحث الاجتماع القضايا الأكثر إلحاحاً: وقف حرب الإبادة وحماية الشعب الفلسطيني، ومستقبل قطاع غزة، ومنع فصله عن الضفة الغربية، وإدارة المواجهة مع الاحتلال، وأشكال المقاومة وآلياتها، والوضع الأمني، وإعادة الإعمار، وقواعد الشراكة الوطنية، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

والمطلوب أن يخرج الاجتماع بقرارات واضحة، لا بمجرد عبارات عامة حول الوحدة الوطنية.

منظمة التحرير .. الإطار الوطني الجامع

لا يمكن بناء شراكة وطنية حقيقية من دون حماية منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بناء مؤسساتها على قاعدة المشاركة الوطنية.

فالمنظمة، رغم ما أصاب مؤسساتها من تراجع وتهميش، تبقى الإطار السياسي الجامع للشعب الفلسطيني، وإضعافها أو تجاوزها لا يخدم سوى مشاريع تفتيت التمثيل الفلسطيني.

وإعادة بناء المنظمة لا تعني إعادة إنتاج مؤسساتها القديمة، وإنما فتحها أمام القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية، وتطوير مؤسساتها، وتجديد شرعيتها، وإعادة الاعتبار لدورها في صياغة القرار الوطني.

برنامج سياسي مشترك

كما ان الشراكة الوطنية لا يمكن أن تقوم على المجاملات، وإنما تحتاج إلى برنامج سياسي واضح يتفق على الحد الأدنى الوطني، وفي مقدمته إنهاء الاحتلال، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة، والحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية ومنع فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.

أما القضايا التي لا يوجد اتفاق حولها، فيمكن أن تبقى موضع حوار سياسي داخل المؤسسات الوطنية، بدلاً من أن تتحول إلى أسباب لتعطيل كل شيء.

دور الجبهة الشعبية

وفي هذا السياق، تستطيع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن تلعب دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين القوى الفلسطينية، من خلال الدفع باتجاه صياغة القواسم المشتركة وحماية المشروع الوطني.

فالمرحلة تحتاج إلى قوى سياسية تمتلك القدرة على تجاوز الحسابات الفئوية، وتقديم المصلحة الوطنية على الاعتبارات التنظيمية، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى انقسام جديد.

إن الحرص على قوة الفصائل ومكانتها ودورها الوطني أمر في غاية الأهمية، لكن قوة أي فصيل لا ينبغي أن تكون على حساب قوة القضية الوطنية أو وحدة الشعب الفلسطيني. وفي ظل المحاولات المتزايدة لخلق بدائل تمثيلية لشعبنا، أو فرض أطر وتشكيلات تتجاوز منظمة التحرير ومؤسساتها، تصبح حماية التمثيل الوطني الجامع مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع القوى والفصائل. فالتعددية السياسية حق مشروع، أما تفتيت التمثيل الفلسطيني أو صناعة بدائل عنه، فلن يؤدي إلا إلى إضعاف الموقف الوطني وفتح الباب أمام مشاريع تستهدف وحدة الشعب والقضية.

الشراكة ضرورة وطنية

نحن أمام مرحلة لا تسمح بمزيد من الانتظار. فالاحتلال يعمل على تغيير الجغرافيا والوقائع، والاستيطان يتوسع، والضفة تتعرض للتقطيع، وغزة تواجه آثار حرب كارثية، ومحاولات فصل الجغرافيا الفلسطينية تتقدم في ظل غياب موقف فلسطيني موحد.

في مثل هذه الظروف، يصبح استمرار الانقسام خطراً على القضية الوطنية، وليس مجرد خلاف سياسي يمكن تأجيل حسمه.

إن الشراكة الوطنية ليست تنازلاً من فصيل لفصيل، ولا صفقة لتوزيع المواقع، ولا هدنة مؤقتة بين المتخاصمين؛ إنها حاجة وطنية لحماية الشعب والقضية والمشروع الوطني.

وإذا كانت التضحيات التي قدمها شعبنا خلال هذه السنوات قد أثبتت شيئاً، فهي أن الشعب الفلسطيني ما زال متمسكاً بأرضه وهويته وحقه في الحرية والاستقلال.

ويبقى السؤال أمام القوى والفصائل الفلسطينية: هل نملك شجاعة تحويل هذه التضحيات إلى بداية لمرحلة وطنية جديدة، أم سنواصل إدارة خلافاتنا، بينما يعمل الآخرون على إدارة مستقبل فلسطين؟

ختاماً، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح لقاء فتح والجبهة الشعبية في فتح الطريق أمام هذه الشراكة الوطنية، ويكون بداية لمسار سياسي مختلف، أم يبقى مجرد لقاء آخر يضاف إلى سلسلة طويلة من اللقاءات التي لم تتمكن من تغيير واقع الانقسام؟

الإجابة لن تكون في البيانات ولا في الصور، وإنما في ما سيأتي بعد اللقاء: هل ستتحول الدعوة إلى اجتماع عاجل للأمناء العامين إلى خطوة فعلية؟ وهل ستتبعها حوارات وطنية جادة، وقرارات واضحة، وبرامج عمل قابلة للتنفيذ؟

اللقاءات القادمة وحدها ستجيب عن ذلك، لكن ما هو مؤكد أن استمرار الانقسام لم يعد خياراً يمكن للشعب الفلسطيني أن يدفع ثمنه أكثر مما دفع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى