آخر الأخبارتحليلات و آراء

الانتخابات ليست الحل وحدها: قراءة في رؤية الجبهة الشعبية للخروج من الأزمة

حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين

الانتخابات ليست المشكلة، لكنها في الظروف الراهنة قد لا تكون هي الحل.

بهذا المدخل يمكن قراءة الرؤية التي طرحتها قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خلال اجتماعها الأخير مع قيادات من حركة فتح في القاهرة قبل أيام، والتي لا تتعامل مع الانتخابات باعتبارها القضية المركزية، بل تنطلق من إعادة ترتيب الأولويات وفقاً لطبيعة المرحلة ومخاطرها.

جوهر رؤية الجبهة أن الأولوية اليوم ليست الذهاب إلى الانتخابات بأي ثمن، وإنما حماية شعبنا ووجوده وكيانيته الوطنية.

فنحن نعيش مرحلة استثنائية، تتواصل فيها حرب الإبادة، وتتفاقم المخاطر التي تستهدف وجود شعبنا، فيما يجري العمل على إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني جغرافياً وسياسياً. وفي ظل ذلك، يصبح وقف حرب الإبادة وحماية شعبنا من مخاطر التهجير والاقتلاع وإفشال المخططات التي تستهدف مستقبله أولوية تتقدم على أي استحقاق سياسي آخر.

لكن حماية شعبنا لا تنفصل عن حماية وحدته الوطنية والكيانية الفلسطينية. فالخطر لا يأتي فقط من الاحتلال وما يخطط له، وإنما أيضاً من استمرار حالة التفكك الداخلي، ومن تحويل الانقسام السياسي والجغرافي إلى واقع دائم.

ومن هنا تأتي المخاوف من أن تتحول الانتخابات، إذا جرت في الظروف الراهنة ومن دون توافق وطني، من وسيلة لإعادة بناء النظام السياسي إلى عامل جديد للصراع الداخلي والتشتت وتعميق الانقسام، خصوصاً في ظل غياب وحدة الجغرافيا السياسية، واستمرار الحرب، وعدم الاتفاق على قواعد الشراكة الوطنية ومستقبل النظام السياسي.

ولهذا لا تبدو رؤية الجبهة رفضاً للانتخابات، ولا دعوة إلى تأجيلها إلى أجل غير مسمى، وإنما دعوة إلى ترتيب الأولويات وبناء الطريق الذي يجعل الانتخابات جزءاً من الحل، لا سبباً لأزمة جديدة.

فالمسألة إذن ليست انتخابات أم لا انتخابات، وإنما: أي انتخابات؟ وفي أي ظروف؟ وعلى أي قاعدة وطنية؟ وبأي توافق يضمن لها أن تكون مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي، لا مناسبة جديدة لإعادة إنتاج الانقسام؟

وهنا تبرز فكرة المرحلة الانتقالية التي طرحتها الجبهة، باعتبارها مدخلاً ضرورياً للخروج من المأزق. مرحلة لا تكون مهمتها إدارة الانقسام، وإنما وقف مسار التفكك، وحماية الشعب، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتهيئة الظروف للانتقال إلى نظام سياسي أكثر توافقاً وقدرة على مواجهة التحديات.

والمرحلة الانتقالية، في تصور الجبهة، ليست بديلاً عن الانتخابات ولا التفافاً عليها، وإنما جسر سياسي ووطني يهيئ الظروف لإجرائها على قاعدة توافق وطني يحمي نتائجها ويمنحها شرعية أوسع.

وفي هذه المرحلة نحتاج إلى حوار وطني مسؤول ومنتج، يبدأ بحوارات ثنائية بين القوى والفصائل، ثم ينتقل إلى حوار وطني جامع، لا بهدف إنتاج اتفاق جديد يضاف إلى ما سبقه من اتفاقيات وتفاهمات، وإنما للوصول إلى رؤية سياسية موحدة وبرنامج وطني واضح، وتحديد قواعد الشراكة الوطنية وأسس إدارة المرحلة المقبلة.

فنحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة الخلاف إلى إنتاج الحلول، ومن إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن الشراكة المؤقتة التي تفرضها الحاجة إلى شراكة وطنية حقيقية ومستدامة.

ومن هنا أيضاً تأتي أهمية الدعوة إلى عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل والقوى السياسية، باعتباره خطوة ضرورية لفتح نقاش جدي حول طبيعة المرحلة، والبرنامج الوطني، وأشكال النضال والمقاومة الممكنة والمفيدة، ومستقبل النظام السياسي، وإعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة الشراكة الوطنية.

وفي هذا السياق يمكن أن يشكل التوافق على مجلس وطني انتقالي جامع ومؤقت أحد الخيارات التي يطرحها الحوار الوطني، بحيث يكون إطاراً لتوحيد التمثيل الوطني، وإعادة ترتيب مؤسسات منظمة التحرير، وتهيئة الظروف السياسية والوطنية للانتقال لاحقاً إلى انتخابات أكثر قدرة على التعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني ووحدته.

فالانتخابات، في النهاية، ليست غاية بذاتها. لكن قيمتها الحقيقية أنها تعيد بناء الشرعية والمؤسسات وتوحد الشعب والأرض والقضية. أما إذا تحولت إلى ساحة جديدة للصراع على المقاعد والشرعيات، فإنها قد تنتج أزمة جديدة بدلاً من أن تحل الأزمة القائمة.

لقد طال زمن الانقسام، وكثرت اللقاءات والتفاهمات والبيانات، بينما ظل الواقع الفلسطيني يتراجع. ولذلك فإن اللحظة الراهنة تحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز إدارة الأزمة، وتذهب نحو قرارات قادرة على تغيير الواقع.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في رؤية الجبهة الشعبية: ترتيب الأولويات أولاً. وقف حرب الإبادة، حماية شعبنا، الحفاظ على وحدته وكيانيته الوطنية، وقف مسار التفكك، وبناء التوافق الوطني، ثم الإنتقال إلى الانتخابات باعتبارها محطة في إعادة بناء النظام السياسي، لا باعتبارها بديلاً عن إعادة بنائه.

فالمرحلة لا تحتمل أن نضيف إلى مآسينا أزمة جديدة. وما نحتاجه اليوم هو طريق يعيد جمع شعبنا، لا انتخابات قد تزيد تشتته، وشراكة حقيقية لا محاصصة مؤقتة، وحوار ينتج حلولاً، لا لقاءات تنتهي ببيانات على الورق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى