الانتخابات الفلسطينية… هل تعيد رسم الخريطة السياسية؟
حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين
إذا استمرت التحركات الحالية في تشكيل أقطاب انتخابية جديدة، فقد لا تنتج الانتخابات المقبلة مجلسًا تشريعيًا شبيهًا بالمجالس السابقة.
قد تنتهي الثنائية التقليدية التي حكمت الحياة السياسية الفلسطينية لسنوات، ويظهر مشهد أكثر تعددًا: فتح الرسمية، حماس، تيار دحلان، اليسار، القوى الديمقراطية، المستقلون، وقوائم جديدة تبحث عن موقع لها.
وهذا، من حيث المبدأ، يمكن أن يكون تطورًا صحيًا للحياة السياسية الفلسطينية، إذا قاد إلى شراكة حقيقية، وتداول للسلطة، وإعادة بناء المؤسسات.
لكن الخطر يكمن في أن تتحول الانتخابات إلى مجرد إعادة توزيع للمقاعد بين القوى نفسها، من دون تغيير قواعد النظام السياسي أو طريقة إدارة الحياة السياسية.
فالمطلوب ليس أن تتغير أسماء النواب فقط، بل أن تتغير طريقة إدارة السياسة الفلسطينية نفسها.
المرحلة الجديدة لا تنتظر أحدًا
ما يجري الآن يقول بوضوح إن المرحلة السياسية القادمة يجري التحضير لها قبل أن تصل صناديق الاقتراع.
حماس تتحرك حتى لا تُستبعد.
دحلان يتحرك حتى لا يكون خارج المعادلة.
فتح الرسمية تحاول الحفاظ على موقعها، لكنها تواجه حالة من الجمود والتآكل.
والجبهة الشعبية واليسار يقفان أمام خيارات صعبة.
فالمرحلة القادمة لن تنتظر من يتردد طويلًا، ومن لا يبادر إلى صناعة موقعه، سيجد أن الآخرين قد صنعوا له موقعًا لا يريده.
حماس … تعيد التموضع حتى لا تُستبعد:
حماس حركة براغماتية بامتياز؛ تجيد إعادة التموضع وتغيير أدواتها السياسية والتنظيمية كلما تغيرت الظروف، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير جوهرها أو عقيدتها.
لذلك، فإن أي تحول في خطابها أو تحالفاتها يجب ألا يُقرأ باعتباره تخليًا عن قناعاتها، قبل معرفة ما إذا كان التحول تكتيكيًا أم استراتيجيًا، وما الذي سيحدث لمواقفها من السلاح والدولة والقرار الوطني الفلسطيني.
حماس تدرك أن الانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق انتخابي، بل محطة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية الفلسطينية، وأن المرحلة التي ستأتي بعد الحرب لن تكون شبيهة بما قبلها.
ولهذا، فهي لا تتحرك فقط للحصول على مقاعد في المجلس التشريعي، وإنما لضمان مكان لها في النظام السياسي الذي سيتشكل بعد الانتخابات.
والانفتاح على التيار الإصلاحي في فتح، والتواصل مع قوى وشخصيات فلسطينية مختلفة، والحديث عن تحالفات انتخابية واسعة، كلها تعكس إدراكًا بأن العزلة السياسية لم تعد خيارًا، وأن استبعادها من المعادلة الجديدة قد يفتح الباب أمام ترتيبات تُصاغ من دونها.
وربما تدرك الحركة أيضًا أن الظروف الفلسطينية والإقليمية والدولية لا تسمح بالعودة إلى محاولة السيطرة المنفردة، وأن استمرار الوضع السابق لم يعد ممكنًا.
لذلك قد تكون أمام خيار أكثر براغماتية: الشراكة بدلًا من السيطرة، والحضور داخل النظام بدلًا من الحكم منفردة.
وهنا تكمن أهمية تحركها.
فحماس لا تريد بالضرورة أن تحكم وحدها، لكنها بالتأكيد لا تريد أن تُستبعد أو تجد نفسها خارج أي ترتيبات سياسية تتشكل بعد الانتخابات.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تغيرت حماس استراتيجيًا، أم أنها تعيد ترتيب أدواتها بما يسمح لها بالبقاء لاعبًا رئيسيًا في المرحلة الجديدة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد جانبًا مهمًا من شكل النظام السياسي الفلسطيني القادم.
دحلان … لا يعود إلى فتح بل يدخل من بوابة جديدة:
محمد دحلان لا يبدو أنه ينتظر مصالحة تعيده إلى فتح الرسمية، ولا يخوض معركته فقط ضد محمود عباس. خلال السنوات الماضية بنى شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، وراكم حضورًا اجتماعيًا وسياسيًا في غزة على حساب فتح الرسمية، ويبدو أنه يدرك أن الانتخابات قد تكون بوابة لإعادة إنتاج حضوره، لا كقيادي فتحاوي سابق، بل كلاعب فلسطيني مستقل عن قيادة السلطة.
لذلك، فإن تحركه باتجاه حماس وشخصيات وقوى فلسطينية أخرى لا ينبغي أن يُقرأ فقط كتحالف انتخابي مؤقت، بل كمحاولة لحجز موقع مؤثر في المرحلة الفلسطينية الجديدة.
دحلان لا يحتاج بالضرورة إلى الفوز بأكبر عدد من المقاعد؛ يكفيه أن يصبح رقمًا يصعب تجاوزه عند تشكيل الحكومة، أو إعادة ترتيب مؤسسات السلطة، أو تحديد مستقبل غزة، أو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
لكن الأهم هو أن المزاج الشعبي نفسه تغير بفعل الحرب والدمار والحاجة.
فالمواطن الذي يعيش الفقر والبطالة والدمار قد لا ينظر إلى دحلان من زاوية تاريخه السياسي أو علاقاته الإقليمية والدولية، التي هي محل سؤال، بقدر ما ينظر إلى سؤال أكثر مباشرة: هل يستطيع أن يفعل شيئًا لنا؟ وهل يمكن أن يساهم في إخراج غزة من هذا الواقع الكارثي؟
وعندما يصل الناس إلى هذا المستوى من الحاجة، تصبح القدرة على تقديم شيء ملموس أكثر تأثيرًا من التاريخ السياسي والشعارات.
وفي المقابل، تبدو فتح الرسمية عالقة إلى حد كبير في حسابات المرحلة السابقة: قائمة فتح، منافسة حماس، الحفاظ على الموقع القيادي، وإدارة الخلافات الداخلية، من دون أن تقدم حتى الآن رؤية سياسية جديدة تقنع مجتمعًا تغير كثيرًا بفعل الحرب والدمار والانقسام.
الجبهة الشعبية … أمام ثلاثة خيارات صعبة:
في قلب هذه التحولات، تقف الجبهة الشعبية أمام ثلاثة خيارات صعبة.
أولًا: التحالف الواسع
أن تدخل في تحالف يضم قوى مختلفة، بما فيها حماس أو التيار الإصلاحي في فتح بقيادة دحلان أو غيرهما، إذا وجدت برنامجًا سياسيًا ومصلحة وطنية مشتركة.
فالسياسة لا تعرف صداقات أو عداوات دائمة، بل مصالح وموازين قوى متغيرة. لكن التفاهم المرحلي لا يعني التماهي، والتحالف الانتخابي لا يعني إسقاط المسؤولية أو التنازل عن المبادئ.
المهم أن تدخل الجبهة أي تحالف كشريك لا كرقم تكميلي، ببرنامج واضح وضمانات سياسية واستقلال في القرار.
ثانيًا: بناء تحالف وطني ديمقراطي.
وهذا، في رأيي، هو الخيار الأصعب والأكثر أهمية على المدى البعيد.
فبدل البحث عن مكان داخل تحالفات الآخرين، تستطيع الجبهة أن تبادر إلى بناء قوة وطنية ديمقراطية واسعة، تضم القوى التقدمية والشخصيات المستقلة ذات الحضور الحقيقي، وتقدم للناس مشروعًا واضحًا يتناول غزة وإعمارها، والضفة والاستيطان والضم، والحريات والعدالة الاجتماعية، وإنهاء الانقسام، وإصلاح النظام السياسي.
قوة لا تكون ملحقًا بحماس، ولا بدحلان، ولا بفتح الرسمية، بل بديلًا سياسيًا حقيقيًا قادرًا على استعادة ثقة الناس والتأثير في شكل المرحلة القادمة.
وهنا تكمن مسؤولية الجبهة: أن تكون جزءًا من صناعة المشهد الجديد، لا مجرد شاهد على صناعته.
لكن، وقبل كل شيء، المطلوب قبل الانتخابات من الجبهة والقوى الوطنية والديمقراطية ليس فقط حسم القوائم والتحالفات، بل المبادرة إلى حوار وطني جاد وشامل يحدد قواعد اللعبة ويوفر الحد الأدنى من الضمانات، ويفتح الطريق أمام انتخابات حقيقية تكون مدخلًا لتجديد الشرعية وإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية وتعددية.
فالجبهة ليست مطالبة بالاختيار بين حماس ودحلان وفتح الرسمية باعتبار أن هذه هي الخيارات الوحيدة.
بإمكانها أن تصنع خيارًا رابعًا، وأن تبدأ من سؤال مختلف:
كيف نبني قوة سياسية وطنية ديمقراطية قادرة على التأثير، بدل أن نبحث فقط عن مكان لنا داخل ترتيبات يصنعها الآخرون؟
وفي النهاية المعركة ليست على عدد المقاعد فقط، بل على شكل النظام السياسي الفلسطيني بعد الانتخابات، وعلى ما إذا كانت ستفتح بابًا للتغيير الحقيقي أم تعيد إنتاج الواقع نفسه بأسماء جديدة.
ومن لا يشارك اليوم في صناعة هذا المشهد، قد يجد نفسه غدًا خارج المشهد الذي صنعه الآخرون.












