هل فتحت أوكرانيا جبهة ضد روسيا في الساحل الأفريقي؟

يتهم حلفاء أوكرانيا موسكو بتوسيع خطوط المواجهة عبر القارة الأوروبية، لكن على ما يبدو تدحرج الصراع عبر الأطلسي إلى الساحل الأفريقي.
وتعهدت أوكرانيا التصدي لروسيا حيثما أمكنها، وصولا الى “الرمال الحارقة” لمنطقة الساحل الإفريقي، في وقت تتزايد المؤشرات إلى دعم كييف للمتمردين الطوارق الذين يقاتلون الجيش المالي وحلفاءه الروس.
وجاء ردّ مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي دول تقودها جميعا مجالس عسكرية انقلبت على القوة الاستعمارية السابقة فرنسا واقتربت من روسيا، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كييف.
وتتهم هذه الدول أوكرانيا بتزويد “جبهة تحرير أزواد”، وهي جماعة انفصالية مسلحة من الطوارق، بالأسلحة.
والجبهة مرتبطة بفرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.
فعل أم رد فعل؟
وخلال الشهور الماضية شكت دول أوروبية حليفة لأوكرانيا من حرب هجينة باستخدام المسيرات والتسلل الإلكتروني، متهمة روسيا بالوقوف خلفها.
وبلغ القلق حدود الفعل الاستباقي بإعادة بناء القدرات الأوروبية لمواجهة حرب غير تقليدية محتملة مع روسيا.
وعلى الجانب الآخر يبدو أن كييف ملاحقة باتهامات مشابهة.
واتهم وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب أمام الأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول أوكرانيا “بتقديم دعم واضح في أفريقيا ومنطقة الساحل لجماعات إرهابية وأخرى شبيهة بالمافيا بهدف تقويض السلام الإقليمي لبلادنا”.
وأشار رئيس وزراء النيجر علي محمد الأمين زين إلى فرنسا وأوكرانيا تحديدا، متهما إياهما بإدارة “وكلاء” على طول الحدود الشمالية الشرقية لبلاده لمهاجمة مواقع عسكرية ومنشآت نفطية.
وتنفي كييف رسميا أي ضلوع لها في المنطقة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية جورجي تيخي لوكالة فرانس برس “إنها حملة تضليل روسية ضد أوكرانيا”. وهو الموقف نفسه الذي تواجه به روسيا الاتهامات الأوروبية.
وجاءت الاتهامات الموجهة إلى كييف عقب منشورات على منصة “إكس” للرئيس السابق للاستخبارات الأوكرانية كيريلو بودانوف، الذي أصبح رئيسا لمكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي في يناير/ كانون الثاني، ألمح فيها إلى وجود عناصر أوكرانية في منطقة الساحل الأفريقي.
وكتب بودانوف في 7 سبتمبر/ أيلول “من روسيا إلى أفريقيا.. تحمي مديرية الاستخبارات الرئيسية المصالح الأوكرانية في أنحاء العالم بكل الوسائل.. في الرمال الحارقة للصحاري وثلوج القارة القطبية الجنوبية المتجمدة”.
وأُرفق المنشور بصورة تُظهر أربعة رجال بيض طُمست ملامح وجوههم، إلى جانب مسلحين يعتمرون عمائم ويستقلون شاحنات صغيرة في منطقة صحراوية.
وبعد خمسة أيام، أفاد تقرير لشبكة “سي إن إن” بأن مسؤولين في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أكدوا أن مشغلي طائرات مسيّرة في منطقة الساحل قدموا التدريب والدعم لـ”جبهة تحرير أزواد”.
مجرد دعاية؟
وتلجأ الجماعات المسلحة بشكل متزايد إلى استخدام تقنيات منخفضة الكلفة تُشغَّل عن بُعد خصوصا في مهام الاستطلاع وتنفيذ الهجمات، في تكتيكات يُحتمل أنها مستلهمة من الحرب في أوكرانيا.
ولا تزال تفاصيل الدور الذي يؤديه الأوكرانيون في أفريقيا جنوب الصحراء موضع خلاف.
وقال مصدر داخل “جبهة تحرير أزواد” لوكالة فرانس برس إن الانفصاليين الماليين “يحافظون على اتصالات مع الأوكرانيين”.
لكنه شدد على أن “جميع المعارك التي دارت خلال الأشهر الماضية خاضتها جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.
ونفى المصدر أن تكون كييف قدمت دعما لوجستيا أو ماديا أو استخباراتيا، معتبرا الصور التي نشرها بودانوف “مجرد دعاية أوكرانية”.
لكنه أقر بأن كييف قدمت بعض التدريب.
وقال إنه في عام 2023 سافر “ثلاثة أو أربعة أوكرانيين” إلى شمال مالي لتدريب بعض مقاتلي جبهة تحرير أزواد، فيما خضع عدد من المقاتلين “لدورة مكثفة استمرت 30 يوما في أوكرانيا على استخدام المسيّرات”.
وقال مصدر ثان داخل الجبهة إن الدورة التدريبية في شمال مالي “أُقيمت قرب الحدود الموريتانية”، مضيفا أن الصور التي نشرها بودانوف “تعود إما إلى تلك الفترة أو أنها التُقطت في سوريا”.
وجود مؤكد
وقال دبلوماسي مقيم في المنطقة، طلب عدم الكشف عن هويته، إن للأوكرانيين “وجودا مؤكدا في شمال مالي، حيث يتحركون ويتعاونون مع المتمردين الطوارق”.
وأضاف أن الطائرات المسيّرة التي يستخدمها الانفصاليون مصدرها أوكرانيا.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، أشارت دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن كييف كانت تزود الانفصاليين بمسيّرات منذ مطلع عام 2024.
وفي يوليو/ تموز من ذلك العام، ألمح المسؤول في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندري يوسوف إلى أن كييف زودت مقاتلي “جبهة تحرير أزواد” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بمعلومات، استخدموها في هجوم بشمال مالي أسفر عن مقتل عشرات المقاتلين الروس والجنود الماليين.
وفي السنوات الأخيرة، افتتحت أوكرانيا عدة سفارات في أنحاء أفريقيا في إطار مساعيها لتعزيز نفوذها في قارة تتمتع روسيا فيها بحضور كبير.
وفي مارس/ آذار، كشفت أوكرانيا عن أول استراتيجية لها لتوسيع نفوذها في أفريقيا، وفي أغسطس/ آب طلب زيلينسكي من سفرائه إيلاء اهتمام خاص ببعض المناطق الأفريقية، بما في ذلك منطقة الساحل.













