آخر الأخبارثقافة وأدب

وارسو الدولي للكتاب.. بيت الحكمة يستعرض تفاعل الحضارتين العربية والبولندية

قدم بيت الحكمة في الشارقة برنامجا ثقافيا ومعرفيا متكاملا خلال مشاركته في فعاليات الدورة الـ5 من معرض وارسو الدولي للكتاب 2026، التي حملت عنوان “من بيت الحكمة إلى العالم: المخطوطات الإسلامية وأثرها في صياغة الكونيات الحديثة”.

وقدمت مشاركة بيت الحكمة للزوار تجربة معرفية استعرضت انتقال العلوم بين الحضارتين العربية والبولندية، وسلطت الضوء على إسهامات العلماء العرب والمسلمين في تطوير علوم الفلك والرياضيات، من خلال الترجمة والنقد والابتكار وإنتاج أدوات هندسية ونماذج فلكية شكلت جزءًا من البيئة العلمية التي مهدت لظهور نماذج لاحقة في أوروبا، بما فيها التحول نحو مركزية الشمس.

وأكدت مروة العقروبي المديرة التنفيذية لبيت الحكمة، أن المشاركة في هذا المعرض ضمن وفد الشارقة جاءت انعكاساً لرؤية الإمارة في تقديم الثقافة بوصفها مساحة للحوار والتفاعل وإعادة اكتشاف الروابط المعرفية بين الشعوب، إلى جانب إبراز الإسهامات العلمية للحضارة العربية والإسلامية في مسيرة المعرفة الإنسانية.

وقالت إنه تم خلال هذه المشاركة تقديم المخطوطات لجمهور المعرض بوصفها شاهداً حياً على مسيرة انتقال المعرفة بين الحضارات، وما رافقها من تفاعل فكري وتراكم علمي أسهم في تطور العلوم عبر الترجمة والنقد والتطوير وتبادل الأفكار بين الشرق والغرب، كما شكلت المشاركة فرصة لتعزيز الحوار مع المؤسسات الثقافية الدولية وبناء شراكات جديدة قائمة على المعرفة والتعاون المشترك.

وركز جناح بيت الحكمة على تقديم تجربة ثقافية وبصرية ومعرفية متكاملة تأخذ الزوار في رحلة عبر تاريخ انتقال المعرفة بين الحضارات، من خلال قسم خاص بالمخطوطات والكتب القديمة من مقتنيات دار المخطوطات في إمارة الشارقة وبيت الحكمة، أتاح للجمهور التعرّف على نماذج علمية وفلكية تعكس إسهامات العلماء العرب والمسلمين في تطوير علوم الفلك والرياضيات وإثراء المعرفة الإنسانية.

وتضمنت المقتنيات مخطوطة «معرفة نامة» لإبراهيم الأرضرومي التي تقدم تصوراً رمزياً يُعرف بـ«البوصلة القلبية» يربط بين الروح والجسد والكون، إلى جانب مخطوطة «التذكرة في علم الهيئة» لنصير الدين الطوسي التي تناولت ابتكار «مزدوجة الطوسي» بوصفها إحدى الأدوات الرياضية المؤثرة في تطور علم الفلك.

كما شملت المقتنيات مخطوطة «المدخل إلى علم النجوم» لعبدالعزيز القبيصي التي أصبحت بعد ترجمتها إلى اللاتينية مرجعاً علمياً في الجامعات الأوروبية حتى عصر النهضة، كما ضمت طبعة نادرة عن ابن الشاطر الفلكي العربي الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي من تأليف البروفيسور أ.س كنيدي والدكتور عماد غانم وهي مجموعة دراسات بلغات متعددة توثق سيرة ابن الشاطر ومؤلفاته ومكانته العلمية وإسهاماته في تطوير النماذج الفلكية التي مثلت تطوراً مهماً على النموذج البطلمي واعتمدت عليها لاحقاً بعض الصيغ الرياضية في أعمال كوبرنيكوس عند بناء نموذجه الفلكي.

وأجرى وفد من بيت الحكمة، على هامش المشاركة، زيارات إلى مؤسسات ثقافية بولندية من بينها المتحف الوطني في وارسو، حيث اطلع الوفد على مجموعات فنية وتاريخية توثق محطات من التاريخ والفن والثقافة الأوروبية والبولندية عبر العصور إلى جانب مقتنيات من الفنون الشرقية والإسلامية.

كما شملت الزيارات المكتبة الوطنية البولندية حيث اطلع خلالها على أقسامها المختلفة ومجموعات واسعة من المخطوطات والكتب النادرة والخرائط والوثائق الأرشيفية التي يعود تاريخ بعضها إلى العصور الوسطى إضافة إلى مطبوعات قديمة من بدايات الطباعة في أوروبا.

وتضمنت الزيارات أيضاً اجتماعات مع مسؤولين من الجانب البولندي لبحث فرص التبادل الثقافي مع بيت الحكمة واستكشاف إمكانيات التعاون المستقبلي بين الجانبين بما يعكس حرص المؤسسات الثقافية في الشارقة على بناء شراكات مستدامة تعزز حضور الإمارة في المشهد الثقافي العالمي وترسخ مكانتها منصةً فاعلة للتواصل الحضاري وتبادل الأفكار والخبرات.

وأعرب الدكتور توماش ماكوفسكي المدير العام للمكتبة الوطنية البولندية، عن تقديره للأنشطة والمبادرات التي يقدمها بيت الحكمة، متطلعا إلى أن يشكل هذا اللقاء بداية لتعاون مثمر وتبادل ملهم للخبرات في مجال دعم المجتمعات المحلية عبر الأنشطة المكتبية فضلاً عن تعزيز الجهود المشتركة في صون التراث الثقافي وحفظه للأجيال القادمة.

وتضمنت مشاركة بيت الحكمة حضوراً فكرياً في فعاليات حوارية تناولت مستقبل المعرفة ودور المؤسسات الثقافية في المجتمع، حيث شاركت مروة العقروبي في ندوة نظمتها جمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات بعنوان «المكتبات ودورها المجتمعي» ناقشت التحولات في مفهوم المكتبة خلال السنوات الأخيرة وانتقالها من فضاء لحفظ المعرفة إلى منصة للتعلم والحوار والتأثير المجتمعي مع تسليط الضوء على تجربة بيت الحكمة كنموذج حديث للمكتبات العصرية التي تعزز العلاقة بين المجتمع والمعرفة.

كما نظم بيت الحكمة جلسة نقاشية بعنوان «موسوعية الكون: جسور المعرفة بين الفلسفة والطبيعة» تناولت دور المخطوطات العلمية ليس فقط كتوثيق للمعرفة بل كعنصر فاعل في تشكيل التصورات الإنسانية عن الكون وتطور الفكر العلمي، واستعرضت الجلسة كذلك إسهامات ابن الشاطر بوصفها محطة مهمة في الفلك الإسلامي عبر تطوير النماذج اليونانية وتجاوز بعض تعقيداتها مع بحث أوجه التشابه بين نماذج ابن الشاطر ونماذج كوبرنيكوس وذلك بمشاركة البروفيسور مسعود إدريس مدير مؤسسة الشارقة الدولية لتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين في جامعة الشارقة والدكتور ميشال كوكوفسكي مؤرخ وفيلسوف بمعهد تاريخ العلوم الأكاديمية البولندية للعلوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى