الهجرة وخطاب الكراهية في ليبيا بين التحذيرات الأممية والهواجس السيادية

عاد ملف الهجرة غير الشرعية إلى صدارة المشهد الليبي مجدداً، مدفوعاً بموجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي وتزامناً مع صدور مواقف وتحذيرات من جهات أممية ومؤسسات ليبية رسمية، ما أعاد فتح النقاش حول واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في البلاد.
تحذيرات أممية
وأعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها إزاء ما وصفته بعودة انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة والخطاب التحريضي عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك المحتوى الذي يستهدف أفراداً أو مجموعات بعينها.
وأكدت البعثة أن هذه السرديات تحمل مخاطر جدية تتمثل في تأجيج التوترات الاجتماعية وتعميق حالة انعدام الثقة وزيادة احتمالات التمييز والعنف، الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على الأمن المجتمعي والاستقرار الداخلي.
وشددت الأمم المتحدة على أهمية الاعتماد على المعلومات الموثوقة والتحقق من صحة الأخبار قبل تداولها، مؤكدة أن الخطاب المسؤول والحوار البناء يمثلان ضرورة ملحة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها ليبيا.
تحركات رسمية
وجاءت هذه التحذيرات بالتزامن مع تحركات سياسية ركزت على تداعيات الهجرة غير النظامية وانعكاساتها المختلفة.
وشارك النائب بالمجلس الرئاسي عبد الله اللافي في اجتماع ضم رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة والنائب الثاني للمجلس موسى فرج ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبدالله قادربوه حيث ناقش المجتمعون ملف الهجرة غير الشرعية إلى جانب عدد من القضايا الاقتصادية والخدمية.
وبحسب المجلس الرئاسي فقد تناول الاجتماع التداعيات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المتزايدة للهجرة غير النظامية، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات قد تمس السيادة الوطنية أو تفرض واقعاً ديمغرافياً جديداً داخل البلاد.
كما شدد المشاركون على ضرورة تعزيز أمن الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة وتفعيل القوانين الوطنية ذات الصلة لمعالجة الظاهرة.
الهوية خط أحمر
وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدر مجلس النواب الليبي بياناً أكد فيه أن حماية السيادة الوطنية والحفاظ على الهوية الحضارية والديمغرافية للبلاد تمثل ثوابت لا يمكن التنازل عنها.
واستند المجلس إلى القانون رقم 24 لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب، مجدداً رفضه لأي مشاريع أو تفاهمات أو ترتيبات يمكن أن تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى توطين المهاجرين أو إحداث تغييرات سكانية داخل ليبيا.
وأكد البيان أن معالجة ملف الهجرة يجب أن تتم في إطار احترام السيادة الوطنية والقوانين الليبية، بعيداً عن أي حلول دائمة قد تُفسر على أنها فرض لواقع جديد يتعارض مع الإرادة الوطنية.
كما اعتبر المجلس أن الأولوية خلال المرحلة الراهنة يجب أن تنصب على معالجة التحديات المعيشية للمواطنين، وفي مقدمتها السكن وفرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية.
دعوات للتهدئة
وفي خضم تصاعد الجدل، دعت وزارة الخارجية والتعاون الدولي إلى التعامل مع الملف بروح من المسؤولية والهدوء، مؤكدة متابعتها لما يتم تداوله بشأن تدفقات الهجرة غير الشرعية وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والصحية.
وجددت الوزارة موقفها الرافض للتوطين وتمسكها بالثوابت الوطنية، مع التأكيد على احترام حق المواطنين في التعبير عن آرائهم وفق الأطر القانونية.
وحذرت من الانسياق وراء الشائعات أو المعلومات غير الموثقة، مشيرة إلى أن تداول الأخبار المغلوطة قد ينعكس سلباً على المصلحة الوطنية ويؤثر في علاقات ليبيا الخارجية.
تحذير حقوقي
وفي السياق ذاته حذر رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد حمزة من تصاعد حملات التحريض والكراهية ضد المهاجرين والمقيمين الأجانب عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وقال حمزة إن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة بشأن أوضاع المهاجرين قد يهدد سلامتهم ويؤدي إلى تصعيد خطير على الأرض، داعياً إلى تجنب أعمال الشغب أو استهداف مقرات المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية.
وفي المقابل، شدد على أهمية اتخاذ إجراءات حازمة لضبط الحدود الجنوبية وتفكيك شبكات تهريب البشر وتنظيم أوضاع الأجانب وفق القوانين الليبية النافذة، معتبراً أن ذلك يحقق التوازن بين حماية حقوق المهاجرين وصون مصالح الدولة الليبية.
أرقام تكشف حجم التحدي
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ضوء المعطيات التي أوردتها المنظمة الدولية للهجرة، والتي تشير إلى وجود نحو 936 ألف مهاجر ووافد داخل الأراضي الليبية.
وبحسب أحدث البيانات، يشكل السودانيون النسبة الأكبر من المهاجرين بنحو 36% نتيجة استمرار النزاع في السودان، يليهم القادمون من النيجر بنسبة 20% ثم المصريون بنسبة 19%.
وتظهر الأرقام أن نحو 84% من هؤلاء لا يحملون وثائق إقامة أو تصاريح عمل سارية المفعول، فيما يتركز معظمهم في المدن والبلديات الكبرى مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة.
بين الالتزامات الإنسانية والهواجس السيادية
ويعكس الجدل المتصاعد حول ملف الهجرة حجم التحديات التي تواجهها ليبيا في إدارة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً. فبين الالتزامات الإنسانية والقانونية المرتبطة بحماية المهاجرين، وبين المخاوف المتعلقة بالأمن القومي والسيادة والضغوط الاقتصادية، تبدو السلطات الليبية مطالبة بإيجاد مقاربة متوازنة تجمع بين ضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب واحترام حقوق الإنسان.
وفي ظل استمرار الأزمات الإقليمية المحيطة بليبيا وتزايد الضغوط المرتبطة بحركة الهجرة عبر المتوسط، يبدو أن هذا الملف سيبقى حاضراً بقوة على أجندة المؤسسات الليبية خلال المرحلة المقبلة، باعتباره قضية تتجاوز البعد الأمني لتلامس أسئلة الهوية والسيادة والاستقرار الوطني.













