#logo { margin-top: 10px !important; margin-bottom: 10px !important; }
تحليلات و آراء

هل مصر قادرة على ضرب سد النهضة؟ إليك سيناريوهات الانتقام الإثيوبي ورد الفعل الدولي

مع إعلان فشل مفاوضات كينشاسا بين مصر والسودان وإثيوبيا، التي دعت إليها الرئاسة الكونغولية للاتحاد الإفريقي، ومع اقتراب الملء الثاني لسد النهضة يضيق النطاق الزمني لحل الأزمة سياسياً، وتتصاعد احتمالات الحلول الخشنة، بما في ذلك خيار قصف مصر لسد النهضة.

وبعد تلويح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بتنفيذ عمل عسكري أو استخباراتي ضد أديس أبابا، واعتبار وزير خارجيته سامح شكري أن مفاوضات كينشاسا هي الفرصة الأخيرة لحل الأزمة، يصبح التساؤل: ما خيارات مصر والسودان القادمة، وهل يصل الأمر إلى الحرب بينهما وبين أديس أبابا، وما احتمالات الرد الإثيوبي، والموقف الدولي والإفريقي من الخيارات المصرية السودانية الخشنة.

وتفاقمت أزمة “سد النهضة” بين السودان ومصر وإثيوبيا مع تعثر المفاوضات الفنية بينها، التي بدأت منذ نحو 10 سنوات، ويديرها الاتحاد الإفريقي منذ أشهر.

ووجه تحذيراً السيسي لأديس أبابا للمرة الثانية، الأربعاء 7 أبريل/نيسان 2021، حيث علق على إعلان إثيوبيا إصرارها على المضي قدماً في الملء الثاني لسد النهضة خلال شهر يوليو/تموز المقبل؛ قائلاً “إن الخيارات مفتوحة إذا تم المساس بنقطة مياه لمصر فيما يتعلق بمسألة سد النهضة”.

خيارات سياسية

وأعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري أن مصر والسودان ستتوجهان إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بشأن الخلاف حول سد النهضة بعد انهيار محادثات كينشاسا.

ومن المعروف أن مجلس الأمن سبق أن عقد جلسة لمناقشة القضية.

وفي ضوء مواقف الدول دائمة العضوية في المجلس يمكن توقع صعوبة صدور قرار من المجلس، في إطار الفصل السابع ضد إثيوبيا، خاصة أن الصين تربطها علاقات وثيقة مع أديس أبابا، خاصة على الصعيد الاقتصادي (توصف إثيوبيا أحياناً بصين إفريقيا).

كما أن مواقف روسيا من الأزمة مائعة، أما موقف الولايات المتحدة فكان الأقوى في انتقاد إثيوبيا في عهد دونالد ترامب، الذي عاقب أديس أبابا لإفشالها نتائج المفاوضات التي عقدت بوساطة أمريكية، ولكن إدارة بايدن ألغت العقوبات، كما أنها تقليدياً كإدارة ديمقراطية أكثر تأثراً بلوبيات الأفارقة الأمريكيين المتعاطفة مع إثيوبيا باعتبارها أعرق أمة إفريقية سوداء.

أما الأوروبيون فإن مواقفهم دائماً مفرطة في الدبلوماسية وخالية من الحسم، حتى في قضاياهم الذاتية، إضافة إلى أن القوى الليبرالية واليسارية الأوروبية تميل دوماً إلى التعاطف مع الدول الإفريقية، علماً أنه حدث تصاعد للغضب من آبي أحمد في الأوساط الأوروبية والأمريكية جراء الجرائم التي كشف عنها في إقليم تيغراي. وحتى لو صدر قرار من مجلس الأمن في إطار الفصل السابع، وتتضمن التلويح أو فرض عقوبات على أديس أبابا (وهو احتمال ضعيف) فلقد سبق أن حجبت إدارة ترامب مساعدات عنها ولم يؤدِ ذلك لتغيير مواقف إثيوبيا من الأزمة.

خيارات استخباراتية

أحد أكثر خيارات مصر في أزمة سد النهضة واقعية وأقلها تكلفة هو إثارة النزاعات الداخلية في إثيوبيا، وتشجيع الحركات الانفصالية بالتعاون مع السودان.

ويساعد على ذلك أن إثيوبيا هي في معظم تاريخها كانت إمبراطورية تقوم على هيمنة أقلية عرقية على بقية السكان (هيمنة أمهرية في أغلب الأوقات، والتيغراي خلال العقود الماضية).

ومثلما تلعب جبال إثيوبيا وأوديتها دوراً في جعلها محصنة ضد الأعداء الخارجيين، فإنها أيضاً تعمل لصالح القوى المحلية الداخلية في مواجهة الحكومة المركزية، خاصة في ظل ضعف الجيش الإثيوبي من حيث الأسلحة التقليدية كالطائرات والدبابات.

والحقيقة أن مصر والسودان أضاعتا فرصة ذهبية لإمساك ورقة ضغط ضد أديس أبابا، وهي حرب تيغراي، التي اندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

واكتفت مصر والسودان بإجراء مناورات مشتركة بينهما في الأراضي السودانية بالتزامن مع حرب تيغراي.

واليوم ما زالت هناك فرصة لفتح هذا الملف، سواء عبر إقليم تيغراي، الذي ما زال هناك فيه بقية مقاومة من جبهة تحرير تيغراي.

ولكن مع اقتراب إثيوبيا من الملء الثاني لسد النهضة ونجاح آبي أحمد في قمع التيغراي، أصبح استخدام هذا الحل متأخراً أو لم يعد كافياً على الأقل، ونتائجه قد تحتاج إلى وقت طويل، في حين نتائج سد النهضة الكارثية المحتملة باتت أقرب لمصر والسودان من حبل الوريد.

استهداف السد بعملية استخباراتية.. هل فات أوانه؟

أحد خيارات مصر في أزمة سد النهضة هو عملية تفجير أمنية استخباراتية للسد قد تستطيع القاهرة أن تتبرأ منه.

وسبق أن قامت مصر بعمل مماثل حسبما كشفت برقية للسفارة الأمريكية تعود إلى عام 2010، نشرها موقع “ويكيليكس” لاحقاً، والتي تفيد بأنَّ المصريين فجَّروا معدات كانت في طريقها إلى إثيوبيا في منتصف السبعينيات.

ولكن تنفيذ أي عملية أمنية استخباراتية لاستهداف السد أصبح أصعب بعد استكمال بنائه، إضافة إلى تأثيراتها على السودان في حال تدمير السد، وما قد يؤديه من اندفاع المياه لأراضيه.

كما يمكن أن يؤدي فشل العملية أو إلقاء القبض على منفذيها إلى تحول الأمر لفضيحة، لصالح إثيوبيا.

الخيار الأصعب: الحرب المفتوحة

المقارنة الرقمية البسيطة بين الجيشين المصري والإثيوبي تظهر تفوقاً واضحاً للجيش المصري نوعاً وكماً، سواء في عدد القوات أو الأسلحة ونوعياتها، حسب موقع “غلوبال فير بور” الأمريكي.

ولكن الحروب ليست مجرد أرقام وعدد أسلحة، ولكنها جغرافيا وظروف مناخية وطبيعية.

فإثيوبيا هي واحدة من أكثر البلدان الجبلية على وجه الأرض، إضافة إلى وعورة الجغرافيا الإثيوبية، فإن المشكلة الكبرى أمام الجيش المصري في هذه الحرب هي أنه لا حدود مباشرة تنطلق منها عملياته، كما أن إثيوبيا ليست لديها سواحل، بحيث يمكن قصفها من البحر، وبالتالي فلا بد أن يشن عملياته من السودان، والذي هو أضعف كثيراً من إثيوبيا.

قصف مصر لسد النهضة.. هل القاهرة قادرة على القيام بذلك؟

تمتلك مصر تفوقاً كبيراً على إثيوبيا في مجال القوة الجوية.

ولكن رغم الفارق الهائل لصالح مصر فإن استخدام القوة الجوية ليس سهلاً.

فأقرب قاعدة مصرية لإثيوبيا تبعد عن سد النهضة نحو 1500 كم، ولا تمتلك القاهرة سوى عدد قليل من الطائرات القادرة على الوصول لإثيوبيا، منها طائرات رافال الفرنسية (24 طائرة)، التي يبلغ نصف قطرها القتالي 1800 كم إضافة إلى نحو 12 مقاتلة من طراز إف 16 بلوك 52، ولا تمتلك مصر طائرات تزود بالوقود.

أما في حال قصف السد بواسطة طائرات تنطلق من القواعد العسكرية السودانية، فإن إثيوبيا قد تعتبر هذا عدواناً من السودان، وقد تبادر بالانتقام من الخرطوم.

ما نعلمه عن الدفاعات الجوية الإثيوبية

بالنسبة للدفاعات الجوية الإثيوبية، فهناك غموض حول قدراتها.

والمؤكد أنه لديها بطاريات صواريخ “فولغا” معدلة محلياً، حيث تم تنصيبها على هياكل دبابات T-55 العتيقة، لتصبح ذاتية الحركة بدلاً من مركزية ثابتة، بالإضافة إلى بطاريات صواريخ “بيتشورا”، ويصل مداها الأقصى إلى 34 كم، وأقصى ارتفاع 18 كم، بالإضافة لأنظمة “Pantsir-S1” قصيرة المدى للدفاع الصاروخي-المدفعي المشترك، وهي فعالة ضد الذخائر الجوية، حسبما قال الخبير العسكري المصري، محمد الكناني، لموقع RT.

ونظام بانتسير الروسي (وهو نظام أثبت عدم كفاءة في مواجهة الطائرات المسيرة التركية في ليبيا وأذربيجان وسوريا).

وكان سفير إثيوبيا لدى روسيا، ألمايهو تيجينو، قد أعلن من قبل أن موسكو قد انتهت من تسليم بلاده منظومة الدفاع الصاروخي من طراز “بانتسير”؛ لتطوير قدراتها العسكرية الإقليمية.

ونقلت صحيفة “السوداني” عن مصادر، خلال الشهر الماضي، أن إثيوبيا نشرت منظومة الدفاع الروسية، بالقرب من موقع سد النهضة.

إضافة إلى تقارير أقل موثوقية عن امتلاك إثيوبيا لأنظمة روسية من طراز إس 300 الأكثر تطوراً (ولكنه يعتقد أنه فشل أيضاً أمام المسيرات التركية في سوريا وأذربيجان).

كما أن الإسرائيليين قصفوا سوريا مراراً دون أن تستطيع منظمة إس 300 منعهم.

وترددت معلومات عن تزويد الإسرائيليين إثيوبيا بمنظومات دفاع جوي قصير ومتوسط المدى من طراز “سبايدر-إم آر” لحماية سد النهضة، وفي الوقت الذي لم تنفِ فيه إثيوبيا تلك الأنباء سارعت الخارجية الإسرائيلية لتكذيبها آنذاك، ولكنها أشارت إلى وجود منظومة دفاعية يتم تحديثها حول سد النهضة، ولكنها تخص دولاً أخرى، من دون الإشارة لهويتها.

الطائرة الفرنسية الرافال تمثل القوة الضاربة للقوات الجوية المصرية/رويترز
الطائرة الفرنسية الرافال تمثل القوة الضاربة للقوات الجوية المصرية/رويترز

ولكن يجب ملاحظة أن نجاح الخبراء الأتراك في التغلب على منظومتي بانتسير وإس 300 نابع من عوامل عدة، منها أن الطائرات المسيرة يمكن المخاطرة بها عبر توجيهها لتدمير منظومات الدفاع الجوي دون قلق من فقدان بعضها (لأنها رخيصة ولا تؤدي إلى خسائر بشرية)، كما أن الأتراك كانت لديهم منظومة تشويش متطورة من طراز كورال، إضافة إلى خبراتهم المكتسبة من العمل مع الناتو الذي يتدرب على التعامل مع مثل هذه الأنظمة الروسية.

كما أنه مما يزيد من صعوبة تعامل الطيران المصري مع مثل هذه المنظومات الدفاعية، أنه سيعمل بعيداً عن قواعده، ما يعني أن الطائرات ستكون محملة بأقصى حاجاتها من الوقود، إضافة إلى قلة عدد الطائرات المصرية التي تستطيع الوصول لسد النهضة.

ففي حالة عدم انطلاق الطائرات المصرية من السودان، فإن أقرب قاعدة مصرية لإثيوبيا تبعد عن سد النهضة نحو 1500 كم، ولا تمتلك القاهرة سوى عدد قليل من الطائرات القادرة على الوصول لإثيوبيا، منها طائرات رافال الفرنسية التي يبلغ نصف قطرها القتالي 1800 كم (تمتلك مصر أكثر من 25 طائرة) إضافة إلى نحو 12 مقاتلة من طراز إف 16 بلوك 52، ولا تمتلك مصر طائرات تزود بالوقود، ورغم أن الرافال قادرة على تزويد نظيراتها بالوقود فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة محدودة في مداها.

وطائرات سوخوي 35 الروسية تستطيع قصف سد النهضة، ولها مدى قريب من الرافال، ولكن يعتقد أن خمساً من هذه الطائرات فقط وصلت مؤخراً لمصر، وبالتالي يحتاج الطيارون المصريون لفترة للتدرب عليها.

الصواريخ التي غيرت المعادلة

لكن الميزة الرئيسية التي أصبحت متوفرة للقاهرة أنه بات لديها صواريخ سكالب (ستورم شادو) الأوروبية القادرة على ضرب سد النهضة من مسافة بعيدة.

أي يمكن للطائرات المصرية قصف السد وهي في الأجواء السودانية، وبالتالي يقل خطر احتمال إسقاطها من قبل الأنظمة الدفاعية الإثيوبية.

وكانت الولايات المتحدة، التي تنتج أجزاء من هذا الصاروخ، قد رفضت السماح لفرنسا بتزويد القاهرة به، ولكن بعد توقيع مصر لاتفاقية أمنية مع واشنطن تسمح للأخيرة بالاطلاع على اتصالاتها، وافقت إدارة ترامب على تزويد القاهرة بهذا الصاروخ، الذي أحدث نقلة نوعية في القدرات المصرية، وأدى فعلياً إلى نقل خيار قصف السد من خانة شبه المستحيلات إلى خانة الممكن مع صعوبة متوسطة.

وهذا الصاروخ أوروبي شبحي، مخصص لضرب الأهداف الحيوية والاستراتيجية العالية القيمة، الواقعة في عمق أراضي العدو مثل المطارات والقواعد الجوية ومحطات الإنذار المبكر، ومراكز القيادة والسيطرة، وبطاريات الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والتحصينات.

ويزن الرأس الحربي له 450 كغم، وتبلغ سرعته القصوى ما يعادل 0.8 ماخ (الماخ سرعة الصوت)، ويتراوح مداه بين 250 و560 كيلومتراً حسب ارتفاع المقاتلة عند الإطلاق.

هل تستطيع الرافال والسكالب التغلب على صواريخ إس 300 التي تحمي سد النهضة؟

في حال إذا ما كانت إثيوبيا تعتمد على صواريخ إس 300 الروسية، لحماية سد النهضة فعلاً، فهل تستطيع الطائرات الرافال التي تمتلكها مصر والمزودة بصواريخ سكالب (ستورم شادو) التغلب عليها وتدمير سد النهضة، أم أن الصواريخ الروسية الصنع قادرة على إسقاط الرافال أو حتى صواريخ سكالب قبل أن تصل للسد.

يلاحظ أن متوسط مدى صواريخ سكالب حوالي 300 كلم.

في المقابل، يقول الروس إن مدى نظام إس 400 (الأكثر تطوراً من إس 300) يبلغ نحو 248 ميلاً (نحو 400 كلم)، ولكن يظهر تحليل سويدي أن المدى الفعلي لأبرز نسخ إس 400، هو في الواقع 90-125 ميلاً فقط، قد ويكون مدى إس 400 في وجهة نظر واضعي الدراسة أقصر جداً في مواجهة الصواريخ التي تحلق على ارتفاع منخفض مثل صواريخ سكالب.

في تكوينه الحالي يجب اعتبار نظام S-400 بشكل أساسي تهديداً للطائرات الكبيرة عالية القيمة، مثل أواكس أو طائرات النقل على ارتفاعات متوسطة إلى عالية، على مدى 125-155 ميلاً.

في المقابل فإن المدى الفعال ضد الطائرات المقاتلة الرشيقة وصواريخ كروز التي تعمل على ارتفاعات منخفضة يمكن أن يصل إلى 12-20 ميلاً.

علاوة على ذلك، ورغم تعقيدها، تعتمد بطارية إس 400 على رادار اشتباك واحد ولديها عدد محدود من منصات إطلاق النار. ومن ثم فهي عرضة للذخائر التي تستهدف رادار الاشتباك.

يمكن ملاحظة أننا نتحدث عن نظام إس 400 الأكثر تقدماً من إس 300، ونتحدث عن معركة مفترضة بين أمريكا باستخدام طائراتها الثقيلة بي 52 مقابل روسيا بقدراتها الجبارة، وبالتالي فإن إمكانيات إثيوبيا الدفاعية في مواجهة هجوم مصري محتمل ستكون أقل بكثير من روسيا، في مواجهة احتمال قيام طائرات بي 52 بإطلاق صواريخ كروز ضد أراضيها، كما أن الرافال أكثر رشاقة بكثير من البي 52.

كما يعتقد أن المقاتلة “الرافال” الفرنسية الصنع تستطيع خداع منظومة “سبايدر” الإسرائيلية (إذا كانت بحوزة إثيوبيا فعلاً)، وذلك بواسطة حزمة الحرب الإلكترونية المتطورة جداً في الرافال، المسماة “سبكترا”، أو معدات الحماية الذاتية المضادة للتهديدات المحيطة بالطائرة رافال، والتي تعد واحدة من أفضل حزم الحرب الإلكترونية للمقاتلات على مستوى العالم”.

مصر اشترت طائرات سوخوي 35 من روسيا/ويكيبيديا
مصر اشترت طائرات سوخوي 35 من روسيا/ويكيبيديا

لكن يظل بُعد المسافة وقلة الطائرات المصرية القادرة على الوصول لإثيوبيا أمراً يزيد صعوبة أي محاولة مصرية لقصف السد، خاصة أن الطائرات السوخوي 27 التي تمتلكها إثيوبيا (18 طائرة) رغم قِدمها وتأخرها في مجال الإلكترونيات والرادارات مقارنة بالرافال وإف 16 بلوك 52، فإنها تظل لديها قدرات مميزة في مجال القتال الجوي التلاحمي.

وبالتالي ستحتاج مصر لحماية الرافال المكلفة بعمليات القصف أن تشارك طائرات إف 16 وميغ 29 في المعركة، وهي طائرات مداها أقصر، وبالتالي فإن هناك حاجة للعمل من القواعد الجوية السودانية.

ويعني ذلك احتمال أن يكون هناك انتقام إثيوبي من السودان، وهو أمر يحتم على القاهرة أن تقدم للخرطوم ضمانات أمنية تشمل على الأقل تزويدها بالسلاح للتصدي لأي عدوان إثيوبي، ومشاركة القوات الجوية المصرية في قصف أي قوات إثيوبية تتقدم نحو أراضي السودان.

ولكن يمكن القول إنه قبل سنوات كانت عملية قصف مصر لسد النهضة شبه مستحيلة، ولكن تدريجياً زادت القاهرة من قدراتها على هذا العمل، خصوصاً باقتناء الرافال (المميزة في الأساس في القصف بعيد المدى وليس القتال الجوي).

كما أن واشنطن سمحت للقاهرة بالحصول على صواريخ كروز مداها 300 كم تحمل على الرافال بعدما كانت تمنعها عن مصر، إضافة إلى أن الدخول التدريجي لطائرات سوخوي 35 يوفر لمصر خياراً إضافياً بجانب الرافال (أو يمكنها أن توفر الحماية الجوية للرافال)، ولكن ما زال خيار السوخوي يحتاج إلى وقت لإتمام الصفقة واستيعاب القوات الجوية المصرية لها.

الوقت المتاح لتنفيذ هذه العملية يضيق

إحدى مشكلات خيار قصف السد أنه يجب أن يتم قبل عملية الملء الثاني لخزانه، حتى لا يؤدي انهيار السد إلى انطلاق فيضان من المياه يدمر الأراضي المحيطة بالنيل في السودان وحتى مصر.

وبالتالي الحيز الزمني لهذا الخيار يضيق، وقد يكون ذلك سببَ مسارعةِ مصر لإعلان فشل مفاوضات كينشاسا ونفيها صحة ما قاله الإثيوبيون عن وجود جولة مفاوضات أخرى برعاية الاتحاد الإفريقي.

سيناريوهات الانتقام الإثيوبي

لا يمكن استبعاد انتقام إثيوبي، والهدف السهل بالنسبة لأديس أبابا هو السودان، فعدد سكان إثيوبيا يعادل السودان نحو مرتين ونصف، إضافة إلى أن إثيوبيا هضبية والسودان سهل، والنظام أمني ومتماسك، بينما النظام في السودان انتقالي ويعاني من مشكلات داخلية كبيرة.

كما أن الجيش الإثيوبي أكبر من حيث عدد القوات والأسلحة من السودان، ومعداته أكثر تطوراً، ولكن الفارق ليس كبيراً، وليس كالفارق بين مصر وإثيوبيا.

وبالتالي فإن مصر لو بدأت في الوقت الملائم في تسليح السودان لاستطاع أن يتصدى لأي عدوان إثيوبي، خاصة أن إرسال قوات مصرية للدفاع عن السودان في مواجهة إثيوبيا أمر صعب بالنظر إلى طبيعة البيئية القاسية على الحدود السودانية الإثيوبية، على الجنود المصريين.

كيف يمكن أن تساعد مصر السودان على التصدي لأي عدوان إثيوبي؟

الخيار أفضل هو تزويد مصر للسودان بجزء من الأسلحة التي في حوزتها. 

ويمكن القول بلا مبالغة إن الجيش المصري لو منح نظيره السوداني جزءاً من الأعداد الهائلة من الأسلحة السوفييتية والغربية القديمة المكدسة لديه لشكل فارقاً كبيراً بالنسبة للسودان.

ومن هذه الأسلحة مئات الدبابات السوفيينية من طرازات تي 55 وتي 62، وطائرات ميراج 5 الفرنسية، ومروحيات غازيل الفرنسية، وقطع المدفعية، وأنظمة الصواريخ المضادة للدبابات القديمة، إضافة إلى طائرات ميغ 21 السوفييتية ومثيلاتها الصينية جيه 7 التي أحالتها مصر للتقاعد.

وهي أسلحة لا تمثل أهمية تُذكر في التوازن العسكري مع إسرائيل، ولكنها فارقة بالنسبة للتوازن بين جيشين يعتمدان على أسلحة قديمة مثل الجيشين الإثيوبي والسوداني.

خيارات إثيوبيا ضد مصر.. هل تستطيع تدمير السد العالي؟

من شأن تدمير سد النهضة أن يثير عداء الشعب الإثيوبي، ويوحده خلف آبي أحمد، وقد يطلق ردود فعل غير متوقعة، وسيظل النيل يأتي من إثيوبيا حتى لو تم تدمير السد.

كما أن من شأن هذه العملية وقف أي احتمال لتفاوض مستقبلي بين البلدين، وقد تثأر أديس أبابا بتلويث أو محاولة منع مياه النيل التي تأتي لمصر لو أعادت ترميم السد.

فنهر النيل ينحدر بقوة من الهضبة الإثيوبية نحو سهول السودان، ويمكن للإثيوبيين أن يحاولوا تلويثه في نهاية مسار المجرى قُبيل خروجه من أراضيهم.

ولكن هل يمكن لإثيوبيا أن تفجر في المقابل السد العالي؟

ليس هناك تقارير موثقة تفيد بامتلاك إثيوبيا صواريخ باليستية (مثل صواريخ سكود) قادرة على ضرب سد النهضة، علماً بأن هناك اتفاقات دولية تمنع تصديرها، ولكن يمكن الحصول عليها من السوق السوداء من دولة مثل كوريا الشمالية (وهي الدولة التي حصلت منها مصر على الأرجح على عدد من صواريخ سكود).

ورغم ذلك، فإن التشدد في منع تجارة هذه الصواريخ قد استحكم مؤخراً، خاصة مع إحكام أمريكا وحلفائها الآسيويين الحصار على كوريا الشمالية.

كما أن مثل هذه الصواريخ الباليستية أغلب أنواعها تدميرها محدود وعشوائي، وغالباً ستحتاج إلى تخفيض وزن رؤوسها الحربية لإطالة مداها للوصول من إثيوبيا لجنوب مصر.

كما أن القاهرة تمتلك صواريخ إس 300 الروسية التي ستكون غالباً أكثر فاعلية في التصدي للصواريخ الباليسيتية التي يمكن لأديس أبابا الحصول عليها من قدرتها على التصدي لصواريخ كروز من طراز ستورم شادو التي تقارب سرعتها سرعة الصوت التي تمتلكها مصر.

ولا يعرف هل تستخدم القاهرة صواريخ إس 300 لحماية السد العالي أم لا؟

وتمتلك أديس أبابا عدداً محدوداً من طائرات سوخوي 27 (نحو 18 طائرة)، وهي طائرة تتميز بقدرات مناورة عالية.

وهي تمثل أفضل طائرات لدى أديس أبابا، والأطول من حيث المدى، ولكن يظل مداها قصيراً لكي تكون فعالة في عمليات قصف السد العالي، كما أنها بالأساس طائرات دفاعية.

وفي مواجهة نحو 218 طائرة إف 16 تمتلكها مصر، وأكثر من 40 طائرة ميغ 29 ونحو 24 طائرة رافال يصبح احتمال نجاح السوخوي الإثيوبية في تنفيذ هجوم على السد العالي صعباً.

وإذا تحقق سوف يحتاج إلى التسلل بعيداً عن أعين الرادارات المصرية والسودانية، وهذا يتطلب الطيران على مستوى منخفض، مما سيقلل مداها، علماً أن خبرات الطيارين الإثيوبيين محدودة حتى إن أديس أبابا لجأت إلى طيارين مرتزقة روس لقيادة هذه الطائرات في حربها مع إريتريا في التسعينيات.

هل أصبح الموقف الدولي والإفريقي مهيَّأ للتصعيد المصري؟

مع مرور الوقت يزداد بروز سيناريو قصف السد، بالنظر إلى فشل الحل السياسي وصعوبة خيار الحرب المفتوحة ومرور الأوان على خيار استغلال حرب تيغراي والأزمات الداخلية الإثيوبية، ومخاطر تنفيذ عملية استخباراتية لقصف السد.

ولكن خيار قصف السد بالإضافة إلى الصعوبات الفنية يواجه بمخاطر سياسية جراء ردود الفعل الدولية والإفريقية المتوقعة.

وقد يكون الفائدة الوحيدة للمماطلة الإثيوبية، وإطالة أمد التفاوض إلى عشر سنوات، هو أنها أظهرت للعالم مقدار التعنت الإثيوبي، حتى بات خيار ضرب السد مطروحاً بقوة في الأوساط الدولية المعنية بالأزمة، لدرجة أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب توقَّع أن مصر ستفجر السد في نهاية الأمر.

ومع تلويح السيسي الأخير، بات العالم مهيَّأ لفكرة أن مصر قد تلجأ لهذا الخيار، ولكن هذا لا يعني أنه لن يكون هناك ردود فعل.

الاتحاد الإفريقي.. وسيط أم شاهد زور؟

من الواضح أن الاتحاد الإفريقي وكثيراً من دول القارة السمراء هي الأكثر انحيازاً لإثيوبيا (وخاصة جنوب إفريقيا التي قدمت نفسها منذ نهاية العنصرية كزعيم للقارة الإفريقية وأحياناً في مواجهة الدور المصري التاريخي).

وقد يكون هناك رد فعل من الاتحاد الإفريقي، يشمل عقوبات ضد مصر والسودان (قد تصل إلى تعليق عضويتهما)، علماً بأن القاهرة وثقت علاقتها مع العديد من الدول الإفريقية مؤخراً، مثل الكونغو.

وقد يحدث ردود فعل من مجموعة الكوميسا الاقتصادية (تضم دول جنوب وشرق القارة الإفريقية)، وخاصة أن مصر والسودان عضوان فيها مع إثيوبيا.

ردود الفعل الدولية

كان الموقف الدولي تجاه الأزمة مائعاً منذ البداية (باستثناء موقف ترامب).

وتقليدياً تحتل إثيوبيا مكانة مهمة بالنسبة لكثير من الكتل الدولية، وهي مكانة تصاعدت خلال العقود الأخيرة.

فهي بالنسبة للصين أحد أبرز الشركاء في إفريقيا جنوب الصحراء، ولكن بكين عادة لا تأخذ مواقف حادة من أي صراعات، ومثلما لم تتدخل بوساطة بين مصر وإثيوبيا والسودان رغم علاقتها الوثيقة بالبلدان الثلاثة، فإن رد فعلها سيكون محدوداً من الناحية السياسية (ولكنها قد تبيع السلاح لمن يدفع أكثر).

أما الدول الغربية، وبالأخص الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، فلقد كانا يتعاملان مع إثيوبيا، خاصة بعد تولي آبي أحمد السلطة باعتبارها النموذج الذي ينبغي أن تكون عليه دول إفريقيا السوداء، إضافة إلى المكانة التقليدية لإثيوبيا كواحدة من أقدم الأمم المسيحية على وجه الأرض، فضلاً عن تصاعد التوجهات المتعاطفة مع إفريقيا في الدول الغربية، لاسيما بين اليساريين والليبراليين (بينما اليمنيون خاصة في أوروبا يركزون عنصريتهم على العرب والمسلمين).

وساعد على ذلك تقديم آبي أحمد نفسه في بداية حكمه كرجل ديمقراطي حداثي يجمع بين خلفيات دينية وإثنية متنوعة (هو مسيحي من أم أمهرية ووالد مسلم من الأورومو)، كما نظر إليه على أنه الرجل الذي أبرم سلاماً صعباً مع إريتريا جار إثيوبيا اللدود.

وأدت هذه الصورة المثالية (التي أبهرت حتى كثيراً من العرب بمن فيهم بعض المصريين) إلى فوز الرجل بجائزة نوبل في موقف متعجل كالعادة من مانحي الجائزة.

ولكن هذه الصورة تحطمت سواء بسبب تأجيله الانتخابات العامة، وحربه في تيغراي التي يتوالى كشف جرائمها، وأيضاً مواقفه من سد النهضة الذي ظهر للعالم إلى حد كبير مقدار مماطلته ودهائه.

يعني كل ذلك أن رد الفعل الدولي على أي هجوم مصري على سد النهضة قد يكون أخف من الردود، إذا كان قد تم تنفيذ هذا الهجوم قبل سنوات (وهذه ميزة نادرة للصبر المبالغ فيه الذي أظهرته القاهرة).

ترامب فرض عقوبات على إثيوبيا/رويترز
ترامب فرض عقوبات على إثيوبيا/رويترز

ويظل واحداً من أكثر العوامل خطورة في ردود الفعل الغربية المكانة التي تحظى بها إثيوبيا بين الأفارقة الأمريكيين.

وقد يتم فرض عقوبات أمريكية أوروبية في مجال مبيعات السلاح تحديداً مثلما فعلت بعض الدول الغربية مع السعودية بسبب حربها مع اليمن وتركيا بسبب تدخلها في شمال سوريا.

ويلاحظ هنا أن تنويع القاهرة لمصادر تسليحها في السنوات الماضية يساعد نسبياً على تخطي تأثيرات أي عقوبات في المجال العسكري.

في المقابل، فإن أهمية مصر التي بدت جليةً في أزمة قناة السويس تجعل السنياريو الأرجح أن أي عقوبات غربية قد تكون محدودة التأثير، خاصة أن القاهرة تعرضت لعقوبات أمريكية، بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي وتحملتها، بينما ما نحن أمامه الآن هو ليس قضية سياسية تقسم المصريين بل أزمة تهدد حياتهم جميعاً، وبالتالي يفترض أن رغبتهم وقدرتهم في تحمل أي عقوبات سوف تكون أكبر.

كما يجب ملاحظة أن تزويد فرنسا مصر بطائرات رافال، التي هي معروفة بقدراتها كطائرة متعددة المهام وتتفوق تحديداً في مهام القاذفات المتوسطة المدى، إضافة إلى سماح واشنطن بشراء مصر لصواريح سكالب، وهو موافقة ضمنية على خيار القصف لسد النهضة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/opinyati/public_html/wp-includes/functions.php on line 4757

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/opinyati/public_html/wp-includes/functions.php on line 4757