من قتل ناجي العلي؟
حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين
29 آب/أغسطس 2026
في ذكرى رحيل ناجي العلي، لا يعود السؤال مجرد استذكار لفنان فلسطيني اغتيل قبل تسعة وثلاثين عاماً. يعود السؤال الذي ظل مفتوحاً منذ ذلك اليوم: من قتل ناجي العلي؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكن الإجابة ليست كذلك.
فالقاتل الذي أطلق الرصاص على ناجي العلي في أحد شوارع لندن يوم 22 تموز/يوليو 1987 لم يقتل رجلاً يحمل قلماً وريشة فقط. لقد حاول إسكات صوت فلسطيني كان قد جعل من الكاريكاتير مساحة للمقاومة، ومن الخط الأسود على الورق سلاحاً لا يقل إزعاجاً للسلطة عن الكلمات والخطب.
أصيب ناجي برصاصة في العنق، ودخل في غيبوبة، وبقي يصارع الموت أكثر من شهر، قبل أن يرحل في 29 آب/أغسطس 1987 عن 51 عاماً. وبعد ثلاثين عاماً، أعادت شرطة العاصمة البريطانية فتح التحقيق في القضية، مؤكدة أن القاتل والشخص الآخر الذي شوهد بعد الجريمة وهما يغادران المكان لم يتم تحديد هويتهما.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لم يكن ناجي مجرد رسام
كان ناجي العلي واحداً من أكثر الفنانين العرب تأثيراً، لكنه لم يكن فناناً محايداً.
كان يرسم فلسطين، والمخيم، واللاجئ، والاحتلال، والفقر، والقمع، والأنظمة العربية، والقيادات الفلسطينية، وكل ما كان يراه انحرافاً عن القضية التي آمن بها.
ولهذا لم يكن مريحاً لأحد.
لم يكن يملك حزباً ولا جيشاً ولا منبراً تلفزيونياً. كان يملك ورقة وقلماً، لكنه استطاع أن يجعل منهما مرآة يرى فيها السياسي وجهه الحقيقي.
كان يرفض أن يمنح أحداً حصانة سياسية أو أخلاقية لمجرد أنه فلسطيني أو عربي أو مقاوم.
وهذا تحديداً ما جعل ناجي العلي خطيراً.
كان يقول ما لا يريد كثيرون سماعه.
ومنذ عام 1969 ظهر «حنظلة»؛ الطفل الفلسطيني حافي القدمين، الذي أدار ظهره للعالم، وتحول مع الوقت إلى واحد من أكثر الرموز التصاقاً بالقضية الفلسطينية.
حنظلة لم يكن شخصية كرتونية عابرة.
كان ناجي نفسه.
وكان المخيم.
وكان الطفل الفلسطيني الذي كبر ولم يعد يصدق الوعود.
من كان يخاف ناجي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم من سؤال: من أطلق الرصاصة؟
فناجي لم يكن ينتقد طرفاً واحداً.
كان ينتقد إسرائيل، لكنه لم يوفر الأنظمة العربية. وكان ينتقد الاحتلال، لكنه لم يجامل القيادات الفلسطينية. وكان ينتقد السلطة السياسية، أياً كان لونها، عندما يرى أنها تبتعد عن فلسطين أو تصمت عن الظلم.
ولهذا تلقى تهديدات بالقتل قبل اغتياله.
وعندما كان يعمل في صحيفة «القبس» الكويتية في لندن، كان واحداً من أبرز رسامي الكاريكاتير السياسي في العالم العربي. وقد وصفته مصادر صحفية بأنه كان شديد النقد للسياسة الفلسطينية والعربية، إلى جانب نقده لإسرائيل.
كان ناجي يزعج الجميع تقريباً.
وهنا تصبح الجريمة أكثر تعقيداً.
الرصاصة معروفة… لكن اليد ما زالت مجهولة
نعرف متى أُطلق الرصاص.
ونعرف أين.
ونعرف السلاح الذي قالت الشرطة البريطانية إنه استُخدم في الجريمة؛ مسدس من نوع «توكاريف» عيار 7.62 ملم، عُثر عليه لاحقاً في لندن عام 1989، وأكد الفحص الجنائي تطابق علامات إطلاق النار مع الظرف الذي عُثر عليه في مسرح الجريمة.
ونعرف أيضاً أن شاهداً رأى رجلاً يتابع ناجي قبل إطلاق النار، ثم شوهد رجل آخر قرب سيارة مرسيدس بعد الجريمة.
لكننا، حتى اليوم، لا نملك حكماً قضائياً يحدد بصورة قاطعة من أصدر الأمر بالقتل ومن نفذه.
وهنا يجب أن نكون حذرين.
فالتاريخ الفلسطيني مليء بالروايات والاتهامات، وبعضها تحول مع الوقت إلى ما يشبه الحقيقة المتداولة، رغم أنه لم يُحسم قضائياً.
هل كانت إسرائيل وراء الاغتيال؟
هذه واحدة من أبرز الفرضيات التي طُرحت حول الجريمة، خصوصاً بعد ظهور معلومات عن عملاء مزدوجين مرتبطين بالموساد داخل دوائر فلسطينية في بريطانيا.
وقد اعتقلت الشرطة البريطانية إسماعيل صوان، وهو فلسطيني من القدس كان يعمل باحثاً في جامعة هال، وعثرت في شقته على أسلحة ومتفجرات. وأظهرت التحقيقات اللاحقة أنه كان يعمل كعميل مزدوج، كما ظهرت معلومات عن وجود عملاء للموساد داخل مجموعات فلسطينية في لندن.
لكن هذه الوقائع، مهما كانت خطيرة، لا تكفي وحدها للقول إن الموساد هو الذي قتل ناجي العلي.
وهنا يجب ألا نقع في الخطأ نفسه الذي ننتقده عندما يتعلق الأمر بخصومنا: أن نحول الشبهة إلى حقيقة، والرواية إلى حكم قضائي.
إسرائيل تبقى ضمن دائرة الاتهام والفرضيات التي أحاطت بالقضية، لكن المسؤولية المباشرة عن اغتيال ناجي العلي لم تُحسم قضائياً.
وهل كانت هناك أيدٍ فلسطينية؟
هذه الفرضية أيضاً طُرحت منذ الأيام الأولى للاغتيال.
والسبب واضح: ناجي لم يكن خصماً لإسرائيل وحدها؛ كان شديد النقد لبعض القيادات الفلسطينية والتنظيمات والسياسات التي رأى أنها تفرّط بالقضية.
لكن تحويل هذا الأمر إلى اتهام مباشر يحتاج إلى دليل.
ليس من العدل أن نقتل ناجي مرة أخرى بإدخاله في معركة الاتهامات السياسية التي لم تُحسم.
فالرجل نفسه كان أكثر ما يكره هو تحويل السياسة إلى شعارات، وتحويل الولاء إلى بديل عن الحقيقة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: أي فصيل نريد أن نتهم؟
بل: لماذا لم نعرف الحقيقة حتى الآن؟
من قتل ناجي؟
ربما يكون القاتل شخصاً ضغط على الزناد.
لكن الاغتيالات السياسية لا تبدأ دائماً عند لحظة إطلاق النار.
أحياناً تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يصبح الاختلاف خيانة، والنقد عمالة، والسؤال جريمة، والكلمة التي لا تعجب القائد سبباً كافياً لإسكات صاحبها.
ناجي العلي كان ضحية هذه الثقافة أيضاً.
ثقافة لا تريد من المثقف أن يكون حراً، ولا من الفنان أن يكون مشاغباً، ولا من الصحفي أن يسأل، ولا من المناضل أن ينتقد.
كان المطلوب من الجميع أن يصطفوا.
أما ناجي، فكان يرفض الاصطفاف.
كان يقف مع فلسطين، لا مع الأشخاص.
ولهذا ربما كان أخطر من أي خصم سياسي.
قتلوا ناجي… لكنهم لم يقتلوا حنظلة
في 29 آب/أغسطس من كل عام، نستعيد ناجي العلي.
لكننا في الحقيقة لا نستعيد رجلاً مات.
نستعيد سؤالاً لم يمت.
ونستعيد ضميراً فلسطينياً ظل واقفاً وظهره لنا، كما رسمه صاحبه.
لقد مات ناجي العلي، لكن حنظلة بقي.
بقي في المخيمات.
بقي في ذاكرة اللاجئين.
بقي في فلسطين التي لم تتحرر.
وبقي في وجه كل طفل فلسطيني يسأل لماذا يُقتل الناس ثم يُطلب منا أن ننسى.
بعد تسعة وثلاثين عاماً، لا تزال بريطانيا تقول إن قضية اغتياله تحتاج إلى إجابات، وقد أعادت الشرطة التحقيق فيها بعد ثلاثة عقود، مطالبة بمعلومات يمكن أن تساعد في كشف القاتل.
وهذا وحده كافٍ لنقول إن الملف لم يُغلق.
لكن السؤال الأكبر ليس فقط: من أطلق الرصاصة؟
السؤال:
من أراد إسكات ناجي العلي؟
ومن كان يخاف من رسوماته إلى درجة أن يصبح القلم أخطر من البندقية؟
ربما لا نملك اليوم الإجابة النهائية.
لكننا نملك شيئاً آخر:
نعرف أن ناجي لم يمت لأنه كان يرسم.
مات لأنه كان يقول الحقيقة كما يراها، بلا خوف، وبلا مجاملة، وبلا حصانة يمنحها للسلطة.
ولهذا بقي حياً في ذاكرة فلسطين.
وبقي قاتله، أياً كان، مختبئاً خلف ستار لم تستطع السنوات أن تسد ثقوبه.
رحم الله ناجي العلي.
والمجد لحنظلة… الطفل الذي أدار ظهره للجميع، لأنه كان ينظر لفلسطين.











