حين يصوّت الجائع… هل تكون الانتخابات عادلة؟
حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين
25 آب 2026
الانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد صناديق وأوراق اقتراع، ولا هي معركة بين قوائم وشعارات؛ إنها محكمة الشعب، فيها يقول الناس كلمتهم، ويكافئون من أحسن، ويعاقبون من أخفق، ويمنحون الشرعية لمن يثقون به.
وحين تكون الانتخابات حرة ونزيهة، علينا أن نقبل حكم الناس، حتى عندما تأتي نتائجهم مخالفة لقناعاتنا وتقديراتنا، فليس من حق الخاسر أن يتهم الشعب بالجهل، ولا أن يبحث عن أعذار لتبرير هزيمته، الشعب هو صاحب الحكم، وقراره يُحترم ما دام قد صدر بإرادة حرة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
هل شعبنا اليوم حر بما يكفي لكي تكون الانتخابات محكمة عادلة؟
لا أتحدث عن الحرية بمعناها القانوني فقط؛ أي أن يدخل المواطن إلى مركز الاقتراع ويضع ورقته في الصندوق دون أن يمسك أحد بيده. أتحدث عن الحرية الأعمق: حرية الإنسان في أن يختار بعيداً عن الخوف والحاجة والابتزاز والحرمان.
فكيف نطلب من إنسان فقد بيته، أو مصدر رزقه، أو أحد أفراد أسرته، أو يعيش تحت وطأة الجوع والبطالة والخوف، أن يفصل بين حاجته اليومية وبين قراره السياسي؟
كيف نطلب من إنسان أنهكته حرب الإبادة، وأثقلته نتائج سنوات طويلة من السياسات الخاطئة والفساد والانقسام، أن يدخل إلى صندوق الاقتراع وكأنه يعيش في مجتمع مستقر، وأن تكون خياراته السياسية منفصلة تماماً عن واقعه المعيشي؟
هنا لا تصبح المشكلة في الناخب، بل في البيئة التي يُطلب منه أن ينتخب داخلها.
فالإنسان الذي يحتاج إلى كيس طحين، أو فرصة عمل، أو علاج، أو مأوى، أو حماية، قد يرى في الجهة التي توفر له شيئاً من ذلك خلاصاً مؤقتاً، حتى لو كان غير مقتنع تماماً ببرنامجها السياسي.
وهذا ليس عيباً في الإنسان.
إنها طبيعة بشرية.
الجائع يفكر في الخبز قبل أن يفكر في البرنامج الانتخابي، والخائف يبحث عن الأمان قبل أن يبحث عن الديمقراطية، والمقهور قد يصوّت لمن يعتقد أنه قادر على تخفيف قهره، حتى لو لم يكن ذلك خياره السياسي الأول.
لهذا فإن الحديث عن انتخابات عادلة لا ينبغي أن يبدأ يوم الاقتراع، بل قبل ذلك بكثير.
يجب أن نسأل: هل البرامج الانتخابية واضحة؟ هل يستطيع المواطن المقارنة بينها؟ هل يستطيع المرشحون الوصول إلى الناس بحرية؟ هل وسائل الإعلام متاحة للجميع؟ هل المال السياسي مؤثر؟ هل تستطيع الفصائل والأحزاب شراء الولاءات؟ وهل المواطن قادر على أن يقول “لا” دون خوف من فقدان وظيفة أو مساعدة أو امتياز أو حماية؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
ولا يجوز، في المقابل، أن نستخدم هذه الظروف ذريعة للطعن في إرادة الناس. فإذا جرت الانتخابات في ظروف حرة ونزيهة، وقال الشعب كلمته، فعلينا أن نحترمها، حتى لو جاءت النتيجة ضدنا.
ليس من حق أحد أن يقول: الشعب أخطأ لأنه لم يخترني.
لقد راكمنا خلال عقود طويلة أخطاء سياسية واقتصادية واجتماعية، وأنتجنا فساداً وانقساماً وفقراً وتهميشاً وفقداناً للثقة. ثم جاءت حرب الإبادة لتضاعف كل ذلك، وتضع ملايين الفلسطينيين أمام واقع إنساني بالغ القسوة.
ثم نأتي اليوم ونقول لهم: اختاروا بحرية!
أي حرية هذه؟
إن الانتخابات العادلة تحتاج إلى أكثر من صندوق شفاف؛ تحتاج إلى إنسان حر.
والإنسان الحر ليس فقط من يستطيع الوصول إلى صندوق الاقتراع، وإنما من يستطيع أن يختار دون أن تكون حاجته سلاحاً في يد أحد، ودون أن يكون خوفه وسيلة للضغط عليه، ودون أن تتحول المساعدة الإنسانية إلى ورقة انتخابية، ودون أن يصبح الفقر طريقاً إلى شراء الأصوات.
لذلك، فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع شكل الانتخابات، وإنما مع الشروط التي تجعل الانتخابات عادلة فعلاً.
نحن لا نحتاج انتخابات تنتج لنا شرعية شكلية جديدة، بل انتخابات تعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتمنح الناس فرصة حقيقية لمعاقبة الفاشلين ومكافأة الناجحين، بعيداً عن التخويف والتخوين وشراء الولاءات.
فالانتخابات ليست مجرد سؤال: من فاز؟
السؤال الأهم هو: هل كان المواطن حراً عندما اختار؟
إذا كان حراً، فعلينا أن نحترم حكمه.
وإذا لم يكن حراً، فعلينا قبل أن نسأله على اختياره أن نسأل أنفسنا: من الذي صادر حريته، ومن الذي أوصله إلى هذه الحالة؟
الانتخابات محكمة الشعب فعلًا … لكن المحكمة لا تكون عادلة إذا دخلها الناخب جائعاً، خائفاً، ومقهوراً.











