تحليلات و آراء

الجبهة الشعبية لم تتغير ولم تتبدل

حيدر العيلة “أبو الأمير”
غزة – فلسطين
1 أيلول/سبتمبر 2026

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليست فوق النقد، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. نقد التنظيمات السياسية حق، بل ضرورة، خصوصاً في مرحلة فلسطينية بالغة التعقيد، تتداخل فيها الحرب مع الانقسام، والمقاومة مع السياسة، والوطني مع الفصائلي.

لكن ثمة فرقاً كبيرا بين النقد السياسي وبين محاكمة النوايا، وبين مناقشة موقف للجبهة وبين اختزال تاريخها كله في موقف أو تحالف أو تصريح.

والأخطر أن تتحول بعض المواقف إلى ذريعة لإطلاق أحكام من نوع: “الجبهة تغيّرت”، أو أنها تخلت عن مشروعها، أو فقدت هويتها، أو أصبحت مجرد تابع لهذا الطرف أو ذاك.

هذا الكلام غير صحيح ويحتاج إلى مراجعة.

الجبهة الشعبية لم تتغير ولم تتبدل.

ما تغيّر هو الزمن، وما تبدلت هي الظروف السياسية والميدانية من حولها، وما تطورت هي أدوات العمل السياسي. أما المشروع الوطني الديمقراطي والهوية اليسارية والاستقلالية السياسية للجبهة، فلا تُقاس بتصريح عابر أو موقف تكتيكي.

الجبهة التي نشأت من رحم الثورة الفلسطينية، ومن مخيمات اللاجئين، لم تكن يوماً حزباً يبحث عن موقع في السلطة، ولم يكن مشروعها قائماً على المحاصصة أو اقتسام النفوذ. كانت، ولا تزال، جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية، تحمل رؤية سياسية واجتماعية تتجاوز حدود الفصيل، وتطرح قضية التحرر الوطني في ارتباطها بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية والتحرر الإنساني.

ومن هنا، فإن محاولة وضعها في خانة “التابع” أو “الجناح” أو “الملحق” بأي قوة سياسية هي قبل كل شيء إهانة لتاريخ طويل من النضال والتضحيات.

نعم، للجبهة مواقف قد نختلف معها بشأنها.

نعم، يمكن نقد قيادتها، ومراجعة خياراتها، ومساءلة قراراتها، وحتى القول إنها أخطأت في تقدير موقف أو توقيت أو تحالف.

لكن هذا شيء، والقول إن الجبهة تخلت عن هويتها شيء آخر تماماً.

فالاستقلال السياسي لا يعني العزلة، والتحالف لا يعني التبعية، والتنسيق لا يعني الذوبان.

يأخذ البعض على الجبهة أنها اختارت خندق المقاومة، وأنها لم تنخرط كالبعض في إدانة السابع من أكتوبر، وكأن المطلوب منها اليوم أن تبدأ بمحاكمة المقاومة بينما شعبنا يواجه حرب إبادة مفتوحة.

وأعتقد أن هذا الموقف يحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول. كيف يمكن لنا، ونحن نواجه حرب إبادة، أن نجعل نقد السابع من أكتوبر في مقدمة خطابنا، وأن نمنح الاحتلال، ولو من حيث لا نقصد، الذريعة التي يستخدمها لتبرير ما يرتكبه بحق شعبنا باعتباره ” رداً ” على ذلك اليوم؟

هذا لا يعني أن السابع من أكتوبر فوق النقد، ولا أن القرارات والتقديرات لا تخضع للمراجعة. فمن حقنا، بل من واجبنا، أن نراجع كل تجربة بالنقد وأن نستخلص منها الدروس، لكن لكل نقد سياقه وتوقيته وأولوياته.

اليوم، الأولوية هي وقف حرب الإبادة، وحماية شعبنا، ومواجهة الاحتلال. أما تحويل السابع من أكتوبر إلى مفتاح لتفسير كل ما يجري، أو إلى مدخل لتبرير الجرائم الإسرائيلية، فهو قلب للسياق السياسي والتاريخي للصراع.

يمكن أن نختلف في تقييم السابع من أكتوبر، لكن لا يجوز أن يتحول اختلافنا إلى تبرير لحرب الإبادة. ويمكن أن نراجع أخطاء المقاومة، دون أن نمنح الاحتلال حق الادعاء بأن ما يفعله هو مجرد ” رد “.

والجبهة حين اختارت خندق المقاومة، لم تكن بذلك مطالبة بأن تتخلى عن عقلها النقدي أو مشروعها السياسي؛ بل كانت، في تقديري، تدرك أن مواجهة الاحتلال لا تحتمل أن نضع أنفسنا، في لحظة الإبادة، في موقع تقديم المرافعة التي يريدها العدو عن نفسه.

السياسة ليست امتحاناً في الطهارة الأيديولوجية، ولا يمكن لتنظيم سياسي أن يعيش خارج الواقع أو يتعامل مع الأحداث بمنطق أبيض وأسود، هناك لحظات تفرض تحالفات، وأخرى تفرض تمايزاً، وثالثة تفرض موقفاً نقدياً حتى تجاه الحلفاء.

المعيار الحقيقي ليس: الجبهة في أي خندق؟
ولا: في أي موقف التقت مع هذا الطرف أو ذاك؟

المعيار هو: هل احتفظت بمواقفها المبدئية وبقرارها السياسي؟ وهل بقيت متمسكة بمشروعها الوطني والديمقراطي؟

وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش.

الجبهة الشعبية ليست مطالبة بأن تتخلى عن مشروعها كي تثبت استقلالها، كما أنها ليست مطالبة بأن تتبنى مشروع الآخرين حتى تثبت انتماءها لشعبها.

المقاومة ليست ملكاً لفصيل، والوطنية ليست حكراً على تنظيم، واليسار ليس مجرد شعار.

المطلوب من الجبهة، كما هو مطلوب من كل القوى الفلسطينية، أن تكون قادرة على الجمع بين مقاومة الاحتلال والدفاع عن المجتمع الفلسطيني وحقوقه السياسية والاجتماعية، وأن ترفض في الوقت نفسه تحويل المقاومة إلى بديل عن السياسة، أو تحويل السلاح إلى مصدر وحيد للشرعية.

وهذا تحديداً هو جوهر المشروع الذي عُرفت به الجبهة تاريخيا.

لذلك، فإن الذين يريدون تقييم الجبهة من خلال موقف واحد، أو تصريح واحد، أو تحالف واحد، يرتكبون خطأ سياسياً ومنهجياً.

التنظيمات لا تُقرأ من لحظة، بل من تاريخ.

والجبهة الشعبية لها تاريخ طويل لا يمكن محوه بجملة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا بإعادة تفسير موقف سياسي بمعزل عن سياقه، ولا بتحويل الخلاف معها إلى اتهام لها بالتخلي عن مبادئها.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن الجبهة لا يعني تبرير كل ما يصدر عنها.

بل إن أكثر أشكال الوفاء لها هو أن نقول بوضوح عندما تخطئ، وأن نسأل عندما تتردد، وأن نختلف عندما نرى أن موقفها يحتاج إلى مراجعة.

الجبهة لا تحتاج إلى المصفقين؛ تحتاج إلى النقد الصادق.

وتحتاج أكثر من ذلك إلى أن تستعيد دورها كقوة سياسية وفكرية قادرة على تقديم إجابات عن الأسئلة الكبرى التي تواجه الفلسطينيين اليوم:

كيف ننهي الانقسام؟

كيف نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

كيف نحمي القرار الوطني من التبعية؟

كيف نبني مؤسسات ديمقراطية؟

كيف نجمع بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية؟

وكيف نحول المقاومة من فعل عسكري منفرد إلى مشروع وطني شامل؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من معركة التصنيفات التي تخوضها بعض الأصوات حول “من أصبح مع من”.

إن قوة الجبهة الشعبية لم تكن يوما في قدرتها على إرضاء الجميع، بل في قدرتها على قول ما تؤمن به حتى عندما يكون مكلفاً.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن الجبهة باعتبارها معصومة من الخطأ، بل الدفاع عن حقها في أن تكون جبهة مستقلة، يسارية، وطنية، ديمقراطية، مقاومة، وقادرة على اتخاذ مواقفها وفق تقديرها السياسي، لا وفق رغبة الآخرين.

قد تخطئ الجبهة.

وقد تتردد.

وقد تحتاج إلى مراجعة بعض خياراتها.

وقد نختلف معها في قضايا كثيرة.

لكن كل ذلك لا يعني أنها تغيّرت أو تبدّلت.

فالتغيير في الموقف لا يعني تغيير الهوية؛ فالتكتيكات تتبدل وفقا للظروف، أما الهوية والمشروع فهما نتاج تاريخ وتراكم فكري ونضالي لا تهدمهما لحظة سياسية عابرة.

والجبهة الشعبية، بتاريخها وشهدائها وأسراها ومناضليها، ليست صفحة بيضاء يمكن لأي عابر أن يعيد كتابتها وفق مزاجه السياسي.

إنها تجربة سياسية وفكرية ونضالية لها ما لها وعليها ما عليها، لكنها تبقى جزءا أصيلاً من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.

لذلك، فلنختلف معها كما نشاء، ولننتقد قيادتها وقراراتها وخياراتها، فهذا حق مشروع.

لكن لا نحول الاختلاف إلى تخوين، ولا النقد إلى تشويه، ولا الموقف التكتيكي إلى شهادة وفاة للمشروع.

الجبهة الشعبية لم تتغير ولم تتبدل.

وإذا كان هناك ما يجب أن يتغير، فهو تطوير قدرتها على قراءة المرحلة، لان ما كان صالحاً في مرحلة سابقة، قد لايكون كافياً اليوم وتعزيز أدواتها، واستعادة حضورها بين الناس، وإعادة بناء مؤسساتها، وإنتاج خطاب يليق بحجم التحديات.

أما هويتها، ومشروعها الوطني الديمقراطي، وانحيازها للفقراء والمهمشين، وإيمانها بالتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، فهذه ليست أوراقاً تفاوضية يمكن التخلي عنها تحت ضغط اللحظة.

قد تتغير التكتيكات، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتغير لغة الخطاب، لكن ذلك لا يعني أن الجبهة الشعبية أصبحت شيئا آخر. التنظيمات تُقاس بجوهر مشروعها وتاريخها وموقعها في الصراع، لا بلحظة سياسية عابرة أو موقف قابل للنقاش.

وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش.

ليس السؤال: هل تغيّرت الجبهة؟

بل السؤال الأكثر أهمية: كيف تستطيع الجبهة أن تعزز أدواتها، وتعيد تطوير بنيتها التنظيميه، وتستعيد حضورها وتأثيرها، من دون أن تتخلى عن هويتها ومبادئها ومشروعها الوطني؟

فالجبهة لا تحتاج إلى تغيير جلدها أو التخلي عن هويتها، بل تحتاج إلى استعادة قوتها، وتعزيز أدواتها، وتطوير أدائها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة؛ فهي ليست حركة براغماتية تتبدل بتبدّل الظروف، وإنما حزب سياسي صاحبة مشروع وهوية وتاريخ، قادرة على التطور دون أن تفقد جوهرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى