تحليلات و آراء

قبل إعادة توزيع الغرف … أعيدوا بناء أساسات البيت

حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين
تشرين الأول/أكتوبر 2026

جاء المرسوم الرئاسي رقم (4) لسنة 2026، الداعي إلى إجراء انتخابات تشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، لا تشبه المراحل الانتخابية السابقة. فالشعب الفلسطيني يعيش آثار حرب إبادة مدمرة في قطاع غزة، وتصعيداً استيطانياً وعدوانياً في الضفة والقدس، وانقساماً سياسياً وجغرافياً ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على الحياة الوطنية.

وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن النظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاق دستوري أو منافسة بين قوائم على مقاعد المجلس التشريعي. فالانتخابات فرصة مهمة لتجديد التمثيل الشعبي وإعادة بناء الحياة السياسية، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح نظام مأزوم، أو إنهاء انقسام متجذر، أو استعادة وحدة المؤسسات الوطنية.

المشكلة الفلسطينية اليوم ليست في غياب الانتخابات وحده، بل في طبيعة النظام السياسي الذي ستجري داخله، وفي القواعد التي تحكم العلاقة بين مؤسساته وقواه السياسية.

لقد راكمت الحالة الفلسطينية خلال السنوات الماضية أزمات سياسية ومؤسسية عميقة؛ فتعطلت مؤسسات، وتعددت المرجعيات، وتراجعت مكانة العمل الوطني الجامع، وأصبح الانقسام واقعاً يتجاوز الخلاف السياسي إلى الجغرافيا والمؤسسات ومراكز القرار. والأخطر أن غياب القواعد الديمقراطية الملزمة أتاح استمرار احتكار القرار وتعطيل المؤسسات، بدلاً من إدارة الاختلاف داخل إطار وطني مشترك.

الانتخابات تجدد التمثيل ولا تعيد بناء النظام وحدها

الشرعية السياسية الفلسطينية لا تختزل في صندوق الاقتراع، رغم أن الانتخابات الحرة والنزيهة تمثل ركناً أساسياً فيها. فهي تحتاج أيضاً إلى مؤسسات وطنية فاعلة، واحترام القانون، وشراكة سياسية حقيقية، وقبول بنتائج الانتخابات، والتزام بعدم الالتفاف عليها أو تعطيلها.
ومن هنا، فإن تجديد شرعية المجلس التشريعي لا يعني بالضرورة تجديد شرعية النظام السياسي كله. فالمجلس جزء من هذا النظام، وليس بديلاً عن الإطار الوطني الجامع، كما أن الشرعية الانتخابية لا تمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً لاحتكار القرار أو إقصاء الآخرين.
ولهذا، فإن القضية لا تتعلق بإجراء الانتخابات فحسب، بل بضمان أن تصبح نتائجها مدخلاً إلى إصلاح النظام السياسي، لا وسيلة لإعادة إنتاج أزماته بأدوات جديدة.

الانتخابات تحتاج إلى ضمانات للشراكة واحترام النتائج

وفي هذا السياق، جاءت مبادرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لتأجيل الانتخابات إلى حين توفير أرضية وطنية متوافق عليها، لا لتكون بديلاً عن الاستحقاق الانتخابي، بل لتهيئة الظروف السياسية والمؤسسية الكفيلة بإنجاحه وضمان احترام نتائجه. وكان المطلوب أن تتعامل الفصائل معها بوصفها فرصة لحوار وطني يضع قواعد واضحة للشراكة، لا مدخلاً لتعطيل الانتخابات.

ويشكّل المرسوم الرئاسي الجديد، الصادر في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، والقاضي بإلغاء المرسوم رقم (4) لسنة 2026، والدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 11 أيلول/سبتمبر 2027، خطوةً جديدةً في المسار الانتخابي الفلسطيني.
كما يتضمن المرسوم تجميد العمل بالمجمعات الانتخابية للمجلس الوطني في الخارج والتوجه نحو حوار وطني شامل، بما يستدعي البناء على هذه الخطوة في إطار التفاهمات الوطنية التي شهدتها القاهرة ورام الله.

غير أن أهمية هذا المرسوم لا تُقاس بمضمونه المعلن وحده، بل بمدى الالتزام بتحويله إلى خطوات عملية تعالج أزمة النظام السياسي، وتضمن إجراء الانتخابات في موعدها، وتمنع استخدام الحوار غطاءً لتأجيل جديد أو لترتيبات داخلية تعيد إنتاج موازين القوى بعيداً عن إرادة الناخبين. فالمطلوب حوار محدد المدة، بأهداف واضحة وآليات تنفيذ ملزمة، ينتهي إلى ضمانات حقيقية لإجراء الانتخابات واحترام نتائجها، لا إلى إعادة تدوير الأزمة.

وتكمن المشكلة الأعمق في غياب قواعد سياسية وقانونية ملزمة تحكم العلاقة بين القوى السياسية والمؤسسات الوطنية، وتضمن احترام إرادة الناخبين ونتائج الانتخابات، وتمنع احتكار القرار وتعطيل المؤسسات وتحويل الخلاف السياسي إلى انقسام دائم. فلا يجوز للخاسر أن يحوّل خسارته إلى أزمة وطنية، كما لا يجوز للفائز أن يتعامل مع أغلبيته باعتبارها تفويضاً لإقصاء الآخرين أو الاستئثار بالقرار.

ومن دون هذه الضمانات، قد تتجدد الشرعية الانتخابية شكلياً، بينما تبقى أسباب الأزمة قائمة، ويظل النظام السياسي عاجزاً عن استيعاب التعدد وإدارة الخلاف.

إعادة بناء منظمة التحرير مدخلٌ لإصلاح النظام السياسي

إن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني لا يكتمل بتنظيم الانتخابات التشريعية، بل يتطلب إعادة بناء الإطار الوطني الجامع وتجديد مؤسساته وشرعيته الديمقراطية. وفي مقدمة ذلك إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير مؤسساتها على قاعدة الشراكة الوطنية الشاملة، والانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية ملزمة، تستند إلى أجندة زمنية واضحة وآليات محددة للمتابعة والتنفيذ، وتضمن مشاركة جميع القوى في مؤسسات المنظمة، والتوافق على برنامج وطني واستراتيجية موحدة لإدارة الصراع مع الاحتلال، وتحديد وسائل النضال وأشكاله بما يخدم أهداف شعبنا في الحرية والعودة والاستقلال.

منظمة التحرير ليست مجرد عنوان تاريخي، بل يفترض أن تكون الإطار الوطني الذي يحتضن مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، ويعبّر عن تطلعاته وحقوقه الوطنية. ولذلك، لا يجوز أن تبقى مؤسساتها مهمشة أمام مراكز القرار الفصائلي أو التنفيذي.

فالسلطة الفلسطينية، مهما كانت طبيعة تركيبها وصلاحياتها، لا يمكن أن تحل محل منظمة التحرير، كما أن المجلس التشريعي، مهما كانت شرعيته الانتخابية، لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

وتستدعي إعادة بناء النظام السياسي إصلاح مؤسسات منظمة التحرير وتفعيلها وتجديد شرعيتها الديمقراطية على قاعدة الشراكة الوطنية الشاملة، بما يضمن مشاركة القوى السياسية والمجتمعية والشباب والنساء والمستقلين في صياغة القرار الوطني، ويعيد الاعتبار إلى دور مؤسساتها التمثيلية في تحديد السياسات الوطنية ومساءلة الهيئات القيادية.

الانتخابات ليست سباقاً على المقاعد فقط

لا شك أن سعي القوى السياسية إلى الحصول على أكبر عدد من المقاعد حق مشروع، ووسيلة لترجمة برامجها إلى سياسات وقرارات. لكن عدد المقاعد، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان نجاح العملية الديمقراطية، ما لم يقترن ببرامج واقعية، واحترام التعددية، وقبول نتائج الانتخابات، والخضوع للمساءلة، والقدرة على الاستجابة لاحتياجات الناس والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم.

وفي الحالة الفلسطينية، ينبغي ألا يتحول التنافس الانتخابي إلى سباق فصائلي لاستعراض القوة أو قياس الأحجام، ولا إلى مناسبة لإعادة إنتاج الاستقطاب بأدوات جديدة. فالمقعد ليس جائزة سياسية، بل مسؤولية في التشريع والرقابة والمساءلة وخدمة الناس.

ولا تُقاس قيمة التمثيل الديمقراطي بعدد المقاعد وحده، بل بمدى إسهامه في استعادة الوحدة الوطنية، وتجديد الشرعيات، وإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، وتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة تحدياته الوطنية.

وسيجد المجلس التشريعي المقبل، أياً كانت تركيبته، أمامه ملفات ثقيلة تركتها سنوات الانقسام والحرب والحصار والاحتلال: آثار الدمار في غزة، وإعادة الإعمار، والفقر والبطالة، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة بناء قطاعات الصحة والتعليم، وحماية السلم الأهلي، إلى جانب القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها استمرار الاستيطان والعدوان في الضفة الفلسطينية والقدس.

لكن قدرة المجلس على التعامل مع هذه الملفات لن تتحدد بعدد المقاعد التي تحصل عليها هذه القائمة أو تلك، على أهمية هذا العدد في ترجمة البرامج السياسية، وإنما بمدى استقلال المؤسسة التشريعية، وقدرتها على ممارسة دورها الرقابي والتشريعي، ووجود نظام سياسي يحترم القانون ويمنع تعطيل المؤسسات أو إخضاعها للحسابات الفصائلية.

ولا تعني الوحدة الوطنية تجميد الخلافات أو إلغاء التعدد السياسي. فالوحدة الحقيقية هي القدرة على إدارة الاختلاف داخل مؤسسات وطنية ديمقراطية؛ بحيث لا يتحول التباين السياسي إلى انقسام جغرافي، ولا تتحول الأغلبية الانتخابية إلى احتكار للقرار، ولا تتحول المعارضة إلى خصومة تهدد النظام السياسي كله.

وإعادة بناء هذا النظام ليست مهمة فصيل واحد، ولا يمكن اختزالها في اتفاق بين قيادتين أو أكثر. إنها مسؤولية وطنية تشمل مختلف القوى السياسية والمجتمعية، وتتطلب شراكة حقيقية تتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة، وتعيد الاعتبار للمؤسسات بدل الأشخاص، وللقواعد الديمقراطية بدل التوافقات المغلقة.

قبل إعادة توزيع الغرف … أعيدوا بناء أساسات البيت

الفلسطينيون لا يحتاجون إلى انتخابات تعيد توزيع المقاعد فحسب، بل إلى مسار وطني يعيد بناء المؤسسات، وينهي الانقسام، ويضمن المشاركة الديمقراطية، ويعيد الاعتبار إلى المشروع الوطني الجامع.

وإلا فلن تكون الانتخابات سوى تغيير في شاغلي الغرف، بينما يبقى البيت الفلسطيني نفسه مهدداً بالسقوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى