المصالح المتبادلة بين الأنظمة الاستبدادية ورجال الدين
حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين
5 أيلول/سبتمبر 2026
ليست العلاقة التبادلية بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية ظاهرة جديدة في التاريخ. فمنذ أن عرف الإنسان الدولة والسلطة، سعى الحكام إلى الاستفادة من الدين بوصفه واحداً من أقوى مصادر الشرعية والتأثير في المجتمع.
وحين تكون السلطة ديمقراطية، وتخضع للقانون والمساءلة، يمكن أن تكون علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية علاقة طبيعية، تقوم على احترام استقلال كل طرف عن الآخر. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول السلطة الدينية إلى أداة بيد السلطة السياسية، وحين يصبح رجل الدين مطالباً بتبرير قرارات الحاكم، وحين تتحول الفتوى من اجتهاد يبحث عن الحكم الشرعي إلى وسيلة لمنح القرار السياسي غطاءً دينياً.
هنا لا يعود الدين سلطة أخلاقية قادرة على مساءلة الحاكم، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة في يد السلطة لترويض المجتمع وتحييد معارضيها.
وهذا هو جوهر العلاقة التي نشأت تاريخياً في بعض الأنظمة الاستبدادية بين السلطة السياسية والمؤسسات الدينية المرتبطة بها، خصوصاً عندما يصبح رجل الدين مستفيداً من قربه من السلطة ومكانتها وامتيازاتها.
فالسلطة تحتاج إلى رجل الدين لكي يقول للناس: أطيعوا.
ورجل الدين المستفيد من السلطة يحتاج إليها لكي تمنحه المكانة والنفوذ والامتيازات.
وهكذا تنشأ علاقة تبادلية خطرة: السلطة تمنح رجل الدين النفوذ والمال والمكانة، ورجل الدين يمنح السلطة غطاءً دينياً يساعدها على ضبط المجتمع.
وأخطر ما في هذه العلاقة أن الحاكم لا يحتاج دائماً إلى إقناع المجتمع بقراره السياسي؛ فقد يكفي أن يجد رجل الدين القادر على منح القرار غطاءً دينياً.
فما كان بالأمس مرفوضاً يمكن أن يصبح اليوم جائزاً، وما كان يُعد تنازلاً عن الثوابت يمكن أن يصبح “ضرورة”، وما كان يُعتبر خضوعاً للأجنبي يمكن أن يصبح “مصلحة شرعية”، وما كان الاعتراض عليه حقاً سياسياً يمكن أن يتحول إلى “فتنة” أو “خروج على ولي الأمر.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا تقول الشريعة؟
بل: من الذي يملك تفسير الشريعة؟ ولأي غرض يُستخدم هذا التفسير؟
وهذه ليست ملاحظة نظرية فحسب. فالدراسات المتعلقة بالمؤسسات الدينية الرسمية في العالم العربي تشير إلى أن الأنظمة الحاكمة كثيراً ما تنظر إلى هذه المؤسسات باعتبارها حليفاً سياسياً محتملاً، وتستخدم نفوذها الديني لتحقيق أهداف أمنية أو سياسية أو أيديولوجية، مع بقاء هذه المؤسسات أكثر تعقيداً من مجرد كونها أدوات للسلطة.
آل سعود: التحالف بين العرش والمؤسسة الدينية
ربما تقدم المملكة العربية السعودية مثالاً واضحاً على هذه العلاقة التاريخية.
فقد نشأ التحالف بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، وأصبح لاحقاً أحد الأسس التاريخية للدولة السعودية. وكان هذا التحالف قائماً، بدرجات مختلفة، على توزيع للأدوار بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وإن لم تكن الحدود بينهما مستقلة تماماً، وظلت العلاقة بينهما متداخلة على امتداد التاريخ السعودي.
وبمرور الزمن، أصبحت المؤسسة الدينية جزءاً مهماً من منظومة شرعية الحكم، فيما حصل رجال الدين والمؤسسات المرتبطة بهم على موقع مؤثر داخل الدولة.
والمؤكد أن هذا التحالف التاريخي جعل الدين أحد مصادر شرعية النظام، وجعل المؤسسة الدينية طرفاً مهماً في البنية السياسية والاجتماعية للدولة.
وفي الوقت نفسه، احتاج النظام السعودي إلى علاقات استراتيجية مع القوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، في مجالات الدفاع والأمن لحماية العرش الملكي.
. وقد استخدم الخطاب الديني في مراحل مختلفة لتفسير سياسات الدولة ومواجهة خصوم سياسيين وأيديولوجيين.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات دلالة.
عندما غزا العراق الكويت عام 1990، أصبحت السعودية أمام خيار الاستعانة بالقوات الأجنبية، وفي مقدمتها القوات الأمريكية والغربية، للدفاع عن المملكة ودول الخليج.
كان القرار سياسياً وعسكرياً في المقام الأول، لكنه احتاج أيضاً إلى غطاء ديني في مجتمع كانت فيه المؤسسة الدينية تتمتع بثقل كبير.
وفي هذا السياق، صدرت فتاوى لعدد من رجال الدين تبيح الاستعانة بغير المسلمين عند الضرورة والمصلحة، مستندة إلى اجتهادات فقهية تتعلق بجواز الاستعانة بغير المسلمين في ظروف استثنائية.
وقد يبدو ذلك، من الناحية الفقهية، اجتهاداً قابلاً للنقاش؛ لكن السؤال السياسي الذي يظل مطروحاً هو: لماذا تتسع دائرة “الضرورة” حين يتعلق الأمر بمصلحة الدولة، بينما قد تضيق حين يتعلق الأمر بحقوق المجتمع وحريته؟
في ظروف سابقة، كان الخطاب الديني المتشدد يحذر من الوجود غير المسلم في الجزيرة العربية، وكانت فتاوى دينية تؤكد رفض إقامة غير المسلمين فيها إلا في حالات محدودة تقتضيها الضرورة أو المصلحة.
لكن عندما أصبحت الاستعانة بالقوات الغربية ضرورة سياسية وعسكرية بالنسبة إلى الدولة، ظهر اجتهاد ديني يجيز هذه الاستعانة باعتبارها مصلحة للمسلمين.
قد يكون لرجل الدين اجتهاده الفقهي الذي يفسر ذلك، وهذا أمر يمكن مناقشته علمياً. لكن المسألة السياسية الأوسع تبقى قائمة: هل تتغير حدود الاجتهاد الديني بتغير حاجات السلطة السياسية؟
الفتوى تأتي بعد القرار السياسي وليس قبله
وهذه واحدة من أخطر وظائف الدين حين يقع تحت هيمنة السلطة: أن تتحول الفتوى من أداة للبحث عن الحكم الشرعي إلى أداة لتسويغ القرار السياسي.
يقرر السياسي أولاً، ثم يبحث عن رجل الدين الذي يجيز القرار.
وبذلك تصبح الفتوى أشبه بختم يوضع على قرار اتخذته السلطة مسبقاً.
والمشكلة لا تكمن في أن رجل الدين قد يؤيد قراراً سياسياً؛ فمن حقه، كأي مواطن، أن يكون له موقف سياسي. المشكلة تبدأ عندما يتم تقديم هذا الموقف باعتباره حكماً دينياً ملزماً للمجتمع، لا رأياً سياسياً قابلاً للنقاش والخلاف.
وقد بلغ التشدد في بعض أدبيات الطاعة السياسية المعاصرة إلى طرح أمثلة افتراضية شديدة التطرف، يُراد من خلالها تأكيد عدم جواز الخروج على الحاكم حتى مع ارتكابه كبائر ومعاصي جسيمة. وهذه الأمثلة تكشف إلى أي حد يمكن أن يتمدد مفهوم طاعة ولي الأمر على حساب حق المجتمع في المساءلة والاعتراض.
وهذه من أخطر الأدوات التي يمكن أن تستخدمها بعض المؤسسات الدينية المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية، عندما يجري توسيع مفهوم طاعة ولي الأمر بحيث يصبح الاعتراض السياسي عليه نوعاً من العصيان الديني والكفر الذي يُخرج من الملة.
وهنا يفقد المواطن حقه في مساءلة السلطة.
فبدلاً من أن يكون الحاكم موظفاً عاماً يخضع للقانون، يصبح شخصاً محاطاً بهالة دينية.
وبدلاً من أن يكون الاختلاف معه حقاً سياسياً، يصبح الاختلاف “فتنة” وجب وأدها.
وبدلاً من أن تكون المعارضة وسيلة لتصحيح السلطة، تصبح خروجاً عليها تستوجب التخلص منها.
وهكذا يمكن أن يتحول الاستبداد السياسي إلى استبداد بغطاء ديني؛ لأن معارضة الحاكم لم تعد تُقدَّم باعتبارها معارضة لرجل أو نظام، بل يجري تصويرها وكأنها اعتراض على الدين نفسه.
وهذه أخطر مرحلة يمكن أن تصل إليها العلاقة بين السلطة والدين.
الخطاب الديني والتدخل الأجنبي في ليبيا
ولم يكن الخطاب الديني في بعض دول الخليج بعيداً عن توظيف الدين في الصراعات السياسية الإقليمية.
ففي أحداث ليبيا عام 2011، صدرت مواقف وفتاوى دينية أيدت التدخل العسكري الدولي ضد نظام معمر القذافي، وذهب بعض رجال الدين إلى مخاطبة القوى الغربية ودعوتها إلى التدخل لحماية الشعب الليبي، معتبرين أن الظروف القائمة تقتضي ذلك.
ولا تكمن المسألة هنا في الموقف من القذافي أو في إدانة النظام، وإنما في السؤال الأوسع: كيف يتحول رجل الدين إلى طرف يمنح الشرعية الدينية لتدخل القوى الأجنبية عسكرياً في بلد عربي؟
وحين يصبح رجل الدين جزءاً من الصراع السياسي الدولي، ويصبح التدخل العسكري الخارجي أحد الخيارات التي يبررها الخطاب الديني، فإن المسألة تتجاوز مجرد اختلاف سياسي في المواقف.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الموقع الديني إلى مصدر شرعية لقرار سياسي لا يستطيع صاحبه الحصول على القدر نفسه من القبول من خلال الأدوات السياسية وحدها.
وهذا بالضبط ما يجعل العلاقة بين السلطة والسياسة والدين بحاجة إلى مساءلة دائمة: هل يستخدم رجل الدين سلطته الأخلاقية والدينية لمواجهة الظلم أينما كان، أم أن موقعه الديني يتحول، في لحظة معينة، إلى أداة تمنح هذا الطرف أو ذاك شرعية لا يستطيع الحصول عليها بالوسائل السياسية وحدها؟
في الحالتين، يبقى الخطر واحداً عندما تختلط القداسة بالمصلحة السياسية، ويصبح المختلف سياسياً مختلفاً مع “الدين”، لا مع موقف بشري قابل للخطأ والصواب.
وحين تحتاج بعض الأنظمة إلى التحالف مع قوى كبرى أو دول ذات نفوذ، يمكن أن يصبح الخطاب الديني وسيلة لإعادة تعريف هذا التحالف.
فالجيش الأجنبي الذي كان بالأمس رمزاً للاحتلال يمكن أن يصبح “قوة صديقة”.
والتحالف مع دولة كبرى يمكن أن يتحول إلى “ضرورة”.
والتنازل السياسي يمكن أن يصبح “حكمة”.
والتطبيع يمكن أن يقدم باعتباره “مصلحة”.
والتدخل الخارجي يمكن أن يسمى “حماية”.
ليس لأن الوقائع تغيرت بالضرورة، وإنما لأن تفسيرها السياسي والديني تغير بما يتوافق مع الحاجة السياسية.
وهنا يصبح الدين جزءاً من عملية إعادة تسمية الأشياء.
فالاحتلال لا يعود احتلالاً.
والتبعية لا تعود تبعية.
والحكومة المستبدة يمكن أن تقدم باعتبارها حكومة تستمد شرعيتها من الدين.
والخضوع لا يعود خضوعاً.
كل شيء يمكن أن يحصل على اسم جديد إذا وجد رجل الدين المستعد لمنحه غطاءً شرعياً.
لماذا تحتاج الأنظمة الاستبدادية إلى رجال الدين؟
لأن القوة وحدها لا تكفي دائماً.
يمكن للحاكم أن يمتلك الجيش والأمن والإعلام والمال، لكنه يظل بحاجة إلى شيء آخر: الشرعية.
والشرعية الدينية، في المجتمعات التي يحتل الدين فيها مكانة رمزية مهمة، يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من كثير من أشكال الشرعية السياسية والقانونية.
فالخوف يمكن أن يجبر الإنسان على الصمت، لكن الخطاب الديني قد يقنعه بأن صمته واجب.
والشرطة تستطيع أن تمنع الاحتجاج، لكن الخطاب الديني يستطيع أن يقنع الناس بأن الاحتجاج “معصية لله”.
والقانون يستطيع أن يعاقب المعارض، لكن الخطاب الديني يمكن أن يصوره باعتباره خارجاً على الجماعة أو مهدداً لاستقرارها.
وهنا تكمن قوة التحالف بين الاستبداد السياسي والتوظيف السياسي للدين.
السلطة تمتلك أدوات القهر، ورجل الدين المستفيد من قربه منها يمتلك أدوات التأثير والتخدير.
وحين يعمل الاثنان معاً، يمكن أن يتحول المجتمع إلى أمام منظومة متكاملة من السيطرة: قوة مادية من جهة، وغطاء أخلاقي وديني من جهة أخرى.
ولعل التجربة الإنسانية الحديثة تقدم لنا درساً واضحاً: فالدول التي استطاعت أن تبني أنظمة مستقرة ومجتمعات أكثر رفاهية وتقدماً لم تجعل الدين أداة للحكم، ولم تسمح للسلطة السياسية بأن تتحدث باسم الله، بل أقامت دولة مدنية يكون فيها القانون فوق الجميع، وتُترك العقيدة والشعائر للناس ومؤسساتهم الدينية، بعيداً عن أجهزة الحكم والصراع على السلطة.
وليس المقصود هنا إقصاء الدين من المجتمع أو محاربة التدين؛ فالدين جزء من وجدان الشعوب وثقافتها وقيمها الأخلاقية. وإنما المقصود منع تحويله إلى سلطة سياسية تحتكر الحقيقة، وتمنح الحاكم شرعية دينية، أو تستخدم الفتوى لتبرير قراراته.
وحين تفصل الدولة بين المقدس والسياسي، يصبح الحاكم مسؤولاً أمام القانون والمواطنين، لا أمام رجال الدين؛ ويصبح اختلاف الناس في العقيدة والرأي مصدراً للتنوع، لا ذريعة للتكفير والإقصاء والقمع.
لذلك، لم يكن فصل الدين عن الدولة عداءً للدين كما يحاول البعض تصويره، بل كان في جوهره حماية للدين من التوظيف السياسي، وحماية للدولة من أن تتحول إلى أداة بيد من يدّعي امتلاك الحقيقة الدينية.
فالدين، حين يبقى مجالاً للإيمان والضمير والقيم الأخلاقية، يستطيع أن يكون قوة معنوية في المجتمع. أما حين يصبح أداة في يد السلطة، فإن الخطر لا يقع على السياسة وحدها، بل يقع على الدين نفسه؛ لأن المقدس عندما يدخل صراع السلطة يفقد شيئاً من قدرته على أن يكون مرجعاً أخلاقياً فوق المصالح السياسية.
وهنا تكمن الخلاصة: ليست المشكلة في أن يكون رجل الدين صاحب موقف سياسي، ولا في أن يكون للسلطة علاقة بالمؤسسات الدينية، وإنما في أن تتحول الفتوى إلى أداة لتسويغ الاستبداد، وأن تتحول السلطة السياسية إلى مصدر امتياز لمن يمنحها ذلك الغطاء. عندها يصبح الطرفان مستفيدين، بينما يدفع المجتمع ثمن هذه العلاقة من حريته وحقه في المساءلة.













