حين تصبح القيادات الفلسطينية جزءاً من الأزمة

حيدر العيلة – أبو الأمير
غزة – فلسطين
6 أكتوبر/تشرين الأول 2026
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن خداع أنفسنا.
جزء واسع من القيادات الفلسطينية، بمختلف مواقعها وانتماءاتها، أصبح جزءاً أصيلاً من الأزمة، وليس من السهل التعامل معه باعتباره جزءاً من الحل. هذه ليست دعوة إلى شطب أحد، ولا إنكاراً لتاريخ أحد، وإنما محاولة لقراءة ما جرى ويجري بقدر من الصراحة، بعيداً عن تقديس الفصائل والقيادات، أو التعامل معها باعتبارها قدراً فلسطينياً لا يمكن تجاوزه.
ورغم اختلاف المرجعيات والأيديولوجيات، فإن معظم القوى التي تصدرت المشهد الفلسطيني لعقود أصبحت تتحرك داخل بنية سياسية واحدة، لها قواعدها وأدواتها ومصالحها وآلياتها في إعادة إنتاج نفسها.
فاليمين الفلسطيني، بشقيه العلماني والديني، لم يكن مشروعاً واحداً ولا كتلة سياسية متجانسة؛ فلكل منهما مرجعياته وتصوراته وأدواته، ولكل منهما أيضاً نواقصه وتناقضاته وخطاياه. غير أن كلاً منهما امتلك، وإن بدرجات وأشكال مختلفة، مصادر قوة سياسية وجماهيرية مكّنته من الحفاظ على حضوره والتأثير في الشارع الفلسطيني. فاليمين العلماني، ممثلاً أساساً بحركة فتح والسلطة الفلسطينية، استفاد من الإرث التاريخي لمنظمة التحرير، ومن إمتلاك مؤسسات السلطة وأجهزتها ومواردها وشبكاتها التنظيمية والسياسية، فضلاً عن علاقاته العربية والدولية. أما اليمين الديني، ممثلاً أساساً بحركة حماس، فقد بنى حضوره على مرجعية دينية واضحة، وشبكات اجتماعية وتنظيمية واسعة، وقدرة عالية على التعبئة، وعلى خطاب المقاومة، ودعم هائل من حركة الاخوان المسلمين العالمية، ثم أضاف إلى ذلك امتلاك سلطة فعلية في قطاع غزة منذ عام 2007. وبذلك اختلفت مصادر قوة كل منهما، لكن النتيجة كانت متقاربة: قدرة مستمرة على التعبئة والتأثير والفعل السياسي والجماهيري، من دون أن يعني ذلك أن أياً من المشروعين نجح في حل المعضلة الفلسطينية أو تجاوز تناقضاتها.
أما اليسار الفلسطيني، الذي كان يفترض أن يقدم البديل الثوري، فقد عجز عن تحويل أفكاره وإرثه النضالي ومواقفه النقدية إلى مشروع سياسي واجتماعي ملموس. ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين خطابه وقدرته على الفعل، فأزمة اليسار ليست في غياب الأفكار، بل في عجزه عن تحويلها إلى قوة قادرة على تغيير الواقع
وحتى يكون الأمر واضحاً، فأنا هنا لا أتحدث عن كل القوى التي ترفع راية اليسار، ولا أضعها جميعاً في سلة واحدة. هناك فرق جوهري بين فصائل يسارية ثورية تمتلك مشروعاً سياسياً واجتماعياً واضحاً، ولها حضورها النضالي والجماهيري، وتحافظ على استقلال قرارها، وبين قوى أخرى يسارية بالاسم والشكل، لكنها تخلّت عملياً عن كثير من مضامين اليسار ودوره.
فبعض هذه القوى لم يعد يمتلك حضوراً جماهيرياً حقيقياً، وأصبح وجوده السياسي مرتبطاً بمساحات يوفرها له اليمين أو السلطة، ويعتمد في بقائه على ما يتركه الآخرون من فتات سياسي، بدل أن يبني لنفسه قاعدة جماهيرية ومشروعاً مستقلاُ. وفي مثل هذه الحالات، تتحول صفة “اليسار” من هوية سياسية وفكرية ونضالية إلى مجرد عنوان يُستخدم للحصول على موقع أو مكسب أو حضور في ترتيبات سياسية لا تعكس جوهر اليسار ولا تاريخه.
لذلك، فإن معيار اليسار بالنسبة لي ليس الاسم ولا الشعار ولا الموقع التنظيمي، وإنما المشروع والممارسة والاستقلالية والحضور بين الناس. فاليسار الذي يفقد استقلاله، ويتخلى عن قاعدته الاجتماعية، ويبحث عن موقعه من خلال الارتماء في أحضان قوى اليمين أو السلطة، يحتاج إلى أن يُسأل أولا: ماذا بقي من يساريته، غير الاسم؟
لقد استنفدت البنية السياسية التي تشكلت حولها الحركة الوطنية الفلسطينية، كما عرفناها تاريخياً، جانباً كبيراً من قدرتها على إنتاج حلول جديدة. وهذا لا يعني أن تاريخها كان بلا قيمة، أو أن كل ما قدمته كان خطأ، بل يعني أن التاريخ لا يمنح أحداً حق البقاء إلى الأبد.
القوى والأحزاب التي تصدرت المشهد السياسي الفلسطيني قبل نكبة 1948 لم تستطع، في معظمها، أن تعبر إلى المرحلة الجديدة التي صنعتها النكبة.
وليس مستبعداً أن تكون الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم أمام لحظة مشابهة.
عندما يبدأ جزء مهم من الشعب الفلسطيني في شتم الفصائل التي كانت ذات يوم أقرب إلى المقدس، فالمسألة ليست مجرد غضب عابر، ولا مجرد حملة على مواقع التواصل الاجتماعي. إنها ظاهرة سياسية واجتماعية تستحق القراءة.
لقد وصلت فصائل الحركة الوطنية، في مراحل معينة، إلى مستوى من القداسة جعل نقدها يبدو وكأنه خروج على الوطنية ذاتها. أما اليوم، فإن قطاعات فلسطينية واسعة لم تعد ترى في الأسماء والشعارات القديمة ما كانت تراه بالأمس.
وقد يكون كلامي قاسياً، لكنه أكثر فائدة من الاستمرار في إنكار الواقع.
هناك حقيقة لا يمكن الهروب منها: القوى والقيادات التي تصدرت المشهد السياسي الفلسطيني لعقود أصبحت، في نظر قطاعات من الشعب، جزءاً من المسؤولية السياسية عن المأزق الذي وصلنا إليه
وهذا يضعها في موقع من يجب أن يخضع للمساءلة، لا في موقع من يحتكر حق إصدار الأحكام على الآخرين.
لكن هنا يجب التمييز بين أمرين مختلفين تماماً.
رفض وجود الفصائل شيء، والدعوة إلى إصلاحها ومحاسبتها شيء آخر؛ فالتعددية ليست المشكلة، وإنما المشكلة حين تتحول التعددية إلى غطاء لإعادة إنتاج النظام نفسه
الخلاف السياسي لا يبرر الإقصاء.
ومحاسبة الفصائل لا تعني محوها.
وإصلاح النظام السياسي لا يعني استبدال احتكار باحتكار آخر.
المشكلة ليست في التعددية السياسية من حيث المبدأ، بل في نظام سياسي تحولت فيه التعددية أحياناً إلى تقاسم للنفوذ، وتحولت الشراكة إلى تفاهمات بين أصحاب المصالح، وأصبح الاتفاق بين القوى السياسية يُقرأ أحياناً باعتباره اتفاقاً على اقتسام المواقع والمكاسب، لا اتفاقاً على مشروع وطني جامع.
وهنا نعود إلى السؤال الأصعب:
من سيصلح أدوات النظام إذا كانت الأدوات نفسها جزءاً من المشكلة؟
فالإصلاح لا يبدأ فقط بتغيير الأشخاص، ولا بتبديل المواقع، ولا بعقد توافقات جديدة، ولا بإصدار بيان أكثر حدة من البيان السابق.
الإصلاح يحتاج إلى قيادات جديدة، وثقافة سياسية جديدة، وآليات جديدة للمساءلة والمشاركة.
ولا تعني الدعوة إلى تجاوز الصيغة القديمة القفز إلى المجهول. البديل ليس حزباً جديداً يضاف إلى الأحزاب القائمة، ولا قيادة جديدة تعيد إنتاج الأدوات نفسها، بل إعادة بناء الحياة السياسية على قاعدة التمثيل الحقيقي
والمؤسسات المنتخبة
والفصل بين الشرعية التاريخية والشرعية السياسية
وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة النساء والشباب والمستقلين والكفاءات الاجتماعية والثقافية، بحيث يصبح الانتماء السياسي وسيلة لخدمة المشروع الوطني لا وسيلة لامتلاك جزء منه.
ومن يريد أن يصلح يجب أولاً أن يكون مستعداً للمراجعة والمساءلة، ولا يمكن لمن ساهم في إنتاج الأزمة أن يقدم نفسه باعتباره المنقذ منها.
وهذا لا يخص فصيلاً واحداً.
من اليمين العلماني إلى الإسلام السياسي إلى اليسار، لا أحد ينبغي أن يحصل على شهادة براءة تاريخية مجانية.
ولكن لا يعني ذلك أن المسؤولية متساوية بين الجميع، أو أن اختلاف المواقع والمواقف والتجارب يمكن محوه بجملة واحدة؛ وإنما يعني أن أحداً لا ينبغي أن يكون فوق المراجعة والمساءلة.
حتى القيادات التاريخية التي صنعت حضورها في مراحل سابقة من تاريخ الحركة الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى مرجعيات فوق النقد.
ولذلك، فإن السؤال اليوم ليس: أي فصيل نريد؟
السؤال الأهم هو: هل ما زلنا نحتاج إلى إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه، أم أننا بحاجة إلى صيغة سياسية فلسطينية جديدة؟
صيغة لا تقوم على تقديس الفصيل، ولا على احتكار تمثيل الشعب، ولا على توريث الشرعية، ولا على تقاسم المواقع، ولا على استدعاء التاريخ كلما عجز الحاضر عن تقديم إجابة.
صيغة تعيد السياسة إلى المجتمع، والمؤسسات إلى وظيفتها، والقرار الوطني إلى أصحابه، والمساءلة إلى مكانها الطبيعي.
قد يكون هذا الكلام صعباً، وقد يبدو في لحظة ما أقرب إلى الحلم.
لكن الأصعب منه هو الاستمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها، ثم انتظار نتيجة مختلفة.
أنا لا أطرح مجتمعا فلسطينياً بلا فصائل، فهذا ليس بديلاُ عن الأزمة بل قد يكون أزمة أخرى. ما أطرحه هو فصائل مختلفة، وحياة سياسية مختلفة، وعلاقة مختلفة بين الفصيل والمجتمع.
أنا لا أدعو إلى إلغاء الفصائل، بل إلى إصلاحها.
فالفصيل الذي يراجع نفسه، ويصحح مساره، ويفتح أبوابه للنقد والمحاسبة، ويعيد بناء مؤسساته على أسس ديمقراطية، يمكن أن يكون جزءاً من المستقبل.
أما الفصيل الذي يرفض الإصلاح، ويعتبر النقد مؤامرة، والمساءلة عداءً، والتغيير تهديداً لمصالح قياداته، فلا يجوز أن يبقى أسيراً لشرعية الماضي أو أن يفرض نفسه على المستقبل.
من يستعصي على الإصلاح عليه أن يغادر موقعه، لا أن يُطلب من الشعب أن يبقى أسيراً له.
ربما لا تحتاج فلسطين إلى فصيل جديد بقدر ما تحتاج إلى مرحلة سياسية جديدة؛ مرحلة لا تهدم ما هو قائم لمجرد الهدم، ولا تقدس ما هو قائم لمجرد أنه قديم، بل تفتح الطريق أمام تجديد الحركة الوطنية، وإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة ثقة الناس بها.
فالمشكلة ليست في وجود الفصائل، بل في أن يتحول وجودها إلى غاية بذاتها.
فلسطين ليست ملكاً للفصائل، والفصائل ليست ملكاً لقياداتها، والتاريخ ليس صك ملكية للمستقبل. ومن يعتقد أن شرعية الأمس تكفي لإدارة الغد، قد يكتشف متأخراً أن الشعوب لا تغادر تاريخها، لكنها تستطيع أن تتجاوز من يصرّ على احتكار هذا التاريخ.













