آخر الأخبارأخبار عالمية

ترامب منشغل بإيران.. هل تملأ أوروبا فراغ الشرق الأوسط؟

مع انحسار الاهتمام الأمريكي بالتسوية الإسرائيلية الفلسطينية، تجد أوروبا نفسها أمام فرصة لاستعادة المبادرة في الشرق الأوسط.

غير أن المسافة بين الاعتراض على السياسات الإسرائيلية والتأثير فيها تظل مرهونة بقدرة العواصم الأوروبية على توحيد مواقفها، وتحويل ثقلها الاقتصادي إلى ضغط يحمي فرص السلام من التآكل.

وبحسب تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”، فإن التاريخ يكشف كيف أتاح تراجع الدور الأمريكي للأوروبيين طرح مبادرات تجاوزت حدود السياسة المتبعة في واشنطن.

واليوم، يعيد الخلاف المتصاعد بشأن الاستيطان وعنف المستوطنين فتح النقاش حول إمكان تكرار تلك التجربة، رغم اختلاف الظروف السياسية.

وتشكل خطوة بريطانيا بحظر الواردات من مستوطنات الضفة الغربية، بدعم كندا وإحدى عشرة دولة أوروبية، اختباراً لهذا التوجه، فرغم الاعتبارات الداخلية التي صاحبت القرار قبيل مؤتمر حزب العمال، فإن اتساع التأييد الدولي له يشير إلى خلاف يتجاوز حسابات السياسة البريطانية.

وقد قابلت إسرائيل القرار بإجراءات شملت طرد ممثلين بريطانيين من مركز الدعم الدولي لغزة، والمطالبة بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وتقليص مساهمة لندن في تدريب قوات أمن السلطة الفلسطينية.

حدة الرد تعكس مخاوف من امتداد الضغوط إلى دائرة أوسع من الحلفاء الغربيين.

الاستيطان يوسع دائرة الخلاف

وفي واشنطن، طرح ديمقراطيون بمجلس الشيوخ مشروع تشريع لمعاقبة أفراد وشركات ضالعة في مشروع “إي وان” الاستيطاني، الذي يرى منتقدوه أنه يهدد اتصال الضفة الغربية بالقدس الشرقية، ويقوض إمكان إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. لكن قيادة التحرك، في المرحلة الراهنة، لا تزال أوروبية.

ويستعيد هذا التباين ملامح أزمة عام 1980، حين انشغلت إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر بأزمة الرهائن في إيران، بعدما استهلكت جانباً كبيراً من رصيدها السياسي في إنجاز السلام بين مصر وإسرائيل، وظلت واشنطن تراهن على مفاوضات حكم ذاتي فلسطيني لا تمنح سيادة على الأرض.

أما الأوروبيون، فرفضوا اختزال الحقوق الفلسطينية في ترتيبات إدارية.

وفي يونيو/حزيران 1980، أصدرت المجموعة الاقتصادية الأوروبية “إعلان البندقية”، مؤكدة حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وداعية إلى إشراك منظمة التحرير في مفاوضات السلام، بينما كانت الولايات المتحدة تحظر اتصالاتها بالمنظمة.

البندقية.. مبادرة أغضبت إسرائيل

وأدان الإعلان المستوطنات باعتبارها عقبة خطيرة أمام السلام، فأثار غضب حكومة رئيس الوزراء الراحل مناحم بيجن، التي اتهمت أوروبا بالرضوخ للضغوط العربية حمايةً لمصالحها النفطية.

ورغم حضور حسابات الطاقة، استند الموقف الأوروبي أيضاً إلى القانون الدولي والخشية من تفاقم الاضطرابات واتساع النفوذ السوفياتي بعد الثورة الإيرانية.

وعاد الخلاف إلى الواجهة خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، فبينما أحجمت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان عن مواجهة إسرائيل علناً، فرضت بريطانيا وشركاؤها الأوروبيون حظراً على صادرات الأسلحة وجمدوا التعاون المالي، وسط تداعيات الحرب ومجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها ميليشيات الكتائب اللبنانية.

وقدم ريغان لاحقاً مبادرة لحكم ذاتي فلسطيني مرتبط بالأردن وتجميد الاستيطان، لكنه تراجع أمام رفض بيجن.

وجاءت تجربة جورج بوش الأب لتظهر أن المبادرات تكتسب وزناً مختلفاً عندما تسندها أدوات ضغط، مستفيداً من الزخم الذي أعقب تحرير الكويت عام 1991.

فقد دفعت إدارته نحو مؤتمر مدريد، ومارس وزير خارجيته جيمس بيكر ضغوطاً على إسحاق شامير للمشاركة. وعندما استمر التوسع الاستيطاني، حجبت واشنطن ضمانات قروض بعشرة مليارات دولار، رابطـة الدعم المالي بتغيير السياسة. وتُنسب إلى تلك الضغوط مساهمة في وصول إسحاق رابين إلى السلطة.

قوة اقتصادية تبحث عن إرادة

اليوم، يتراجع زخم خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لغزة، فيما تستحوذ إيران وانتخابات التجديد النصفي على الاهتمام الأمريكي. وفي الضفة الغربية، يتصاعد التوتر، ليضع أوروبا أمام مسؤولية أكبر، وإن كان تغير المشهد السياسي الإسرائيلي يجعل نتائج الضغط أقل قابلية للتوقع.

ويمتلك الاتحاد الأوروبي نفوذاً باعتباره الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، لكن خلافاته تعوق استخدامه. وقد عكست تصريحات كايا كالاس، مسؤولة سياسته الخارجية، هذا التردد، مع إبقاء العقوبات مطروحة.

في المقابل، أقر بنيامين نتنياهو بالعزلة ودعا إلى بناء “إسبرطة عظمى” تعتمد على نفسها اقتصادياً وعسكرياً.

وبين القلق الإسرائيلي والتردد الأوروبي، يتحدد مصير الفرصة المتاحة: هل تبقى المواقف احتجاجاً متفرقاً، أم تتحول إلى سياسة مشتركة تمنح الدبلوماسية قوة وتحافظ على أفق التسوية وحقوق الفلسطينيين، مستفيدة من الفراغ الذي يتركه انشغال واشنطن بأولويات أخرى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى