فرنسا وأفريقيا وقمة نيروبي.. المصالح تهزم التاريخ

رغم تغيير بوصلتها إلى المناطق الناطقة بالإنجليزية، إلا أن أهم قمة فرنسية أفريقية لم تحقق هدف باريس بتوسيع نفوذها الجيوستراتيجي.
ويرون أن باريس لم تعد الشريك المهيمن كما في السابق، بل أصبحت تواجه واقعًا جديدًا عنوانه “قابلية الاستبدال” في ظل تصاعد نفوذ قوى دولية أخرى مثل الصين وتركيا وروسيا.
وانعقدت القمة في نيروبي، يومي الثلاثاء والأربعاء، برئاسة الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والكيني وليام روتو، وهي أول قمة فرنسية أفريقية تُعقد في دولة أفريقية ناطقة بالإنجليزية.
وعقدت القمة في لحظة تراجع متواصل للحضور العسكري والسياسي الفرنسي في المجال الفرانكفوني التقليدي بالقارة السمراء.
فمنذ سبتمبر/أيلول 2023، سحبت باريس قواتها من النيجر، ثم خفضت وجودها في كوت ديفوار، وانتهى الوجود العسكري الفرنسي الدائم في السنغال خلال عام 2025، فيما كانت قواتها قد انسحبت قبل ذلك من مالي وبوركينا فاسو.
«نهاية مرحلة تاريخية»
في قراءته، يقول جان بيير فيليو، أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي المتخصص في الساحل الأفريقي، إن ماكرون بدا خلال قمة بأنه الأكثر نشاطًا، حيث سعى إلى تقديم صورة جديدة لفرنسا كشريك متكافئ مع الدول الأفريقية، وليس كقوة استعمارية سابقة.
وفي حديث صحفي، يشير فيليبو إلى أن «ماكرون حرص على استخدام خطاب متوازن لتفادي أي انطباع سلبي، إلا أن هذا التوجه له ثمن سياسي، يتمثل في تراجع النفوذ التقليدي لفرنسا».
ولفت الباحث الفرنسي إلى أن ما حدث في قمة نيروبي يعكس «نهاية مرحلة تاريخية في العلاقات الفرنسية الأفريقية»، مؤكداً أن فرنسا لم تعد قادرة على الاعتماد على إرثها الاستعماري أو شبكاتها التقليدية للحفاظ على نفوذها.
وبالنسبة له، فإن القمة تكشف محاولة باريس بناء علاقات جديدة مع دول أفريقية ناطقة بالإنجليزية مثل كينيا التي لا تحمل نفس الحساسية التاريخية تجاه فرنسا مقارنة بمستعمراتها السابقة.
الباحث الفرنسي لفت إلى أن القمة تعكس -أيضا- واقعًا جديدًا في القارة الأفريقية، حيث لم تعد فرنسا اللاعب الوحيد أو الأساسي، موضحاً أن الدول الأفريقية باتت تنتهج سياسة تنويع الشركاء، مستفيدة من المنافسة الدولية للحصول على أفضل الشروط في مجالات الاستثمار والتنمية.
تحد استراتيجي
من جانبه، قال أستاذ الدراسات الأفريقية في جامعة هوارد بول تنيامبي زيليزا، إن هذا التغيير في القارة الأفريقية خلال السنوات الماضية يضع فرنسا أمام تحدٍ استراتيجي، إما التكيف مع قواعد اللعبة الجديدة أو فقدان مزيد من النفوذ.
وأوضح زيليزا، في حديثه لـ«العين الإخبارية»، «أن التحركات الدبلوماسية لماكرون، رغم ذكائها الرمزي، مثل المشاركة في أنشطة غير رسمية وإظهار روح الشراكة، تعكس إدراكًا متأخرًا لطبيعة التحول الجاري في أفريقيا».
ورأى زيليزا أن الدول الأفريقية لم تعد تبحث عن شريك «مهيمن» بل عن شركاء متعددين يقدمون فوائد ملموسة دون شروط سياسية.
كما حذر من أن استمرار النظرة التقليدية داخل بعض دوائر صنع القرار في باريس قد يسرّع من فقدان النفوذ الفرنسي لصالح قوى أكثر مرونة.
وبحسب الخبير، فإن القمة «تمثل نقطة تحول في طريقة تعامل الدول الأفريقية مع القوى العالمية، وليس فقط مع فرنسا».
وأكد زيليزا، أن أفريقيا لم تعد اليوم «ساحة نفوذ» بل «فاعلًا مستقلًا» يحدد أولوياته بنفسه، مشيراً إلى أن الدول الأفريقية، مثل كينيا، تسعى إلى شراكات قائمة على الاستثمار ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل، وليس على المساعدات التقليدية.
وأكد أن فرنسا، رغم تاريخها الطويل في القارة، مطالبة بإعادة تعريف دورها بالكامل، لأن المنافسة أصبحت شرسة، موضحاً أن «الصين تقدم بنية تحتية، وتركيا توسع تجارتها، وروسيا تعزز حضورها الأمني، بينما تحتاج باريس إلى تقديم نموذج مختلف يقوم على الشفافية والشراكة الحقيقية».
وشدد على أن “قابلية الاستبدال” لا تعني بالضرورة تراجعًا كاملاً لفرنسا وليست تهديدًا بقدر ما هي فرصة، لأنها تدفع فرنسا إلى تطوير أدواتها وتعزيز تعاونها بشكل أكثر توازنًا واحترامًا للسيادة الأفريقية. ك
وختم بالقول إن المستقبل سيكون للتحالفات المرنة، حيث تختار الدول الأفريقية شركاءها بناءً على المصالح وليس التاريخ.













