غير مصنف

سبحة

كان يحمل سبحته كما لو أنه يحمل عمراً كاملاً بين يديه، يمرر بأصابعه الواحدة تلو الأخرى، يبتسم ابتسامة صفراء، يتأمل خرزاتها التي تخفي سراً لا يقال

وقف ماجد على شرفة منزله ذات نهار، يتأمل المدينة مطولاً، يحاول الهروب من ضجيج روحه فيصطدم بصخبها، جلس بعد أن تنهد تنهيدة عميقة كادت تخرج أضلاعه من صدره، وضع قدمه اليمنى فوق اليسرى، تذكر سنواته التي مرت كأنها لحظة عندما التقى حسناء، عاش معها أروع اللحظات فعشش الفرح في ذاكرته دهراً، نظر إلى السبحة مطولاً، أخرج دفتره الصغير وقلمه من جيب قميصه الأسود وكأن خرزاتها أوحت له بالفكرة فبدأ يكتب:

حسناء..لست أدري أين أنت اليوم، ولا أي ريح أخذتك مني، ربما وجدت مدينة تشبه أحلامك، وربما مازلت تفتشين عنها، منذ رحيلك وأنا أحاول جمع الاحتمالات كما أجمع خرزات هذه السبحة، مرة أقول أن الطريق ناداك، ومرة أن الزمن استعجلك، ومرة أن للأقدار أسباباً لن تفصح عنها، وما بين الاحتمالات يبقى الغياب سؤالاً بلا جواب…

أتعلمين بماذا أشبه علاقتنا، كانت تشبه خرزات هذه السبحة المرتبطة بخيط متين، كل خرزة فيها تحمل شعوراً مختلفاً، كنت أول من يسمع ارتباكي قبل أن أفهمه أنا، تلاحظين قلقي الموشوم على جبيني، تساعديني على احتراف الهدوء، كل الطرق التي عبرتها معك كانت أقل وعورة، لم تكوني امرأة عابرة في حياتي، كنت تتقنين تهدئة الفوضى داخلي، وتجعلين الصعب سهلاً، ـ نعم كنت حبيبتي – اليقين الوحيد الذي صدقته، منحتيني جناحين لأطير بهما إليك كلما أردت، كنت أعود من العالم مثقلاً فأجد لديك مساحة أخفّ، عشقتك حتى النخاع، دللتك على طريقتي، ربما لم أقل لك أحبك ولكنني فعلتها، لطالما أخبرتك أن الحب عندي ليس ببضعة كلمات أختصره بها، المسافات التي اجتزتها نحوك لم تكن طرقاتها سهلة، بل كانت وعرة، ولكنني وصلت، كل التفاصيل بيننا كانت دافئة مثل كوب شاي تُرك لبعض الوقت على نافذة الشتاء، كنت أقول لك أنك حقيقتي الوحيدة التي توصلت إليها على مدار أعوامي، كنت أصفك بأنك غيمتي التي أمطرت عليّ ورداً وقبلاً، كنتُ وكنتِ….
أتذكر مساءً مطرياً، انقطع التيار الكهربائي، جلستِ قرب النافذة تعدين خرزات سبحتي على ضوء خافت، وكنت أنا أتحدث معك بلا توقف عن خوفي من أيام لن تكوني فيها، لم تقاطعيني إلا لتقولي : لن أتركك وحدك لظلام هذا العالم بعد أن وضعت أصابع يدك اليمنى على شفتيّ.

وفي يوم حار أضعت سبحتي في الطريق، فمشيت معي تحت الشمس كي نبحث عنها، كأننا كنا نبحث عن شيء أكبر أضعناه.

اليوم أشعر أن توازن الكون في داخلي اختل، أقع في فخ التساؤلات، أنادي عليك بحروف النداء ولكنك لا تجيبين، أخذت معك كل شيء وذهبت مثل ريح عاتية، هل نسيت العهد يا حسناء؟

يا لسخرية القدر، كحبات سبحة فرطت خرزة خرزة، هكذا انتهت علاقتنا، لم يبق من خيطها ما يكفي ليجمع ما تناثر بيننا، حتى ذكرياتي معك تدحرجت بعيداً عن متناول يدي، لم تعودي الأنثى التي أوقفت الزمن لأجلي،بل جعلت الزمن يقف بيننا، لم أعد أجدك في الأماكن التي تركت فيها ظلك طويلاً، الآن.. لم يعد في صدى صوتك ذاك الاتساع الذي كنت ألوذ به كلما ضاقت بي أيامي، حتى الطريق الذي سرنا معاً على حجارته السوداء لم يعد كما كان، غادرت التفاصيل الجميلة التي كانت تشبهك، لم تفكري ماذا سيحل بي عندما أتعثر بالبحث عنك، وكم سأحتاج لأنفاسك قربي لأجد متنفساً لي…

أنهى كتابة كلماته عندما بدأت الشمس بالغروب، دوّن أسفل الورقة التي حملت توقيعه تاريخ البداية والنهاية وغاب في شرود طويل.

القاصة هند يوسف خضر…سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى