فرنسا تبتكر روبوتا متطورا لإزالة الألغام.. تقنية متقدمة تقلل المخاطر البشرية

في تطور تكنولوجي لافت في المجال العسكري، كشفت تقارير تقنية حديثة أن الجيش الفرنسي يمتلك روبوتا متطورا قادرا على إزالة الألغام من مساحات واسعة دون تعريض الجنود لأي خطر مباشر.
الروبوت، الذي يحمل اسم نظام إزالة تلوث المناطق (SDZ – Système de dépollution de zone)، أصبح اليوم جزءًا مهمًا من معدات سلاح الهندسة في الجيش الفرنسي، حيث يتيح تنفيذ عمليات إزالة الألغام بطريقة أكثر أمانًا وكفاءة.
يعد “إس.دي.زد” مركبة روبوتية ثقيلة تبلغ وزنها نحو 10.7 طن، وتعمل على سلاسل معدنية (جنزير) تتيح لها التحرك في التضاريس الصعبة والوعرة. ويصل طولها إلى 6.4 متر وعرضها إلى 2.8 متر، ما يمنحها حضورًا مهيبًا في ساحات العمليات.
ويعمل هذا النظام بمحرك دوتز بقوة 250 حصانًا، قادر على توليد عزم دوران يبلغ 1050 نيوتن متر، ما يمنحه قدرة كبيرة على التحرك في البيئات الصعبة مثل الأراضي الوعرة والمنحدرات الحادة والمناطق غير المستقرة أو المدمرة. كما يستطيع الروبوت السير بسرعة تصل إلى 10 كيلومترات في الساعة أثناء الانتقال بين مواقع العمليات.
لكن أهم ما يميز هذه الآلة ليس حجمها أو قوتها فقط، بل قدرتها على تمشيط حقل ألغام كامل بسرعة تصل إلى 250 مترًا في الساعة وعلى عمق يصل إلى 40 سنتيمترًا تحت سطح الأرض، دون وجود أي سائق أو جندي على متنها.
تم تطوير نظام “إس.دي.زد” خلال عقد 2010 من قبل شركة سيفا الفرنسية المتخصصة في المعدات الهندسية الثقيلة. وقد جاء هذا النظام ليحل محل جهاز سابق كان يُعرف باسم “مادم”، لكنه لا يقتصر على كونه بديلاً تقنيًا فحسب، بل يمثل تحولًا في طريقة التعامل مع إزالة الألغام في العمليات العسكرية.
وقد سلطت مجلة “تيري ماج”، المجلة الرسمية للجيش الفرنسي، الضوء على هذا النظام في أحد أعدادها الأخيرة باعتباره أحد أهم الابتكارات في مجال الهندسة العسكرية.
يتميز روبوت إزالة الألغام الفرنسي بقدرته على تغيير الأدوات بحسب طبيعة المهمة، ما يجعله جهازًا متعدد الاستخدامات في ساحة العمليات. فمن خلال مجموعة من الأدوات القابلة للتركيب، يمكن للروبوت تنفيذ مهام مختلفة، مثل:
- مطحنة أرضية تقوم بطحن التربة وتفجير أو تعطيل الألغام المدفونة.
- جرافة غربالية تجمع بقايا المتفجرات وتنقلها بعيدًا عن الموقع.
- ملقط ميكانيكي لإزالة العوائق من الطرق أو المسارات العسكرية.
كما أنه مزود بذراع آلية مفصلية للتعامل مع الأجسام الخطرة أو تحريكها، ومثقاب أرضي لاختراق التربة وفحصها بعمق. ويمكن تركيب هذه الأدوات أو تبديلها بسرعة وفقًا لاحتياجات الميدان، ما يمنح الجهاز مرونة تشغيلية كبيرة.
وأحد أبرز جوانب هذا الروبوت هو مستوى الحماية العالي الذي يتمتع به. فقد تم تصميم هيكله بطريقة تسمح له بتحمل انفجار لغم مضاد للدبابات، وهو انفجار قد يدمر أي مركبة عادية ويشكل خطرًا قاتلًا على الجنود. ولهذا السبب صُمم النظام أساسًا ليكون درعًا ميكانيكيًا يتحمل الصدمات والانفجارات بدل البشر، فالمهمة الأساسية للروبوت هي تنفيذ الأعمال الخطرة التي كان يقوم بها خبراء المتفجرات سابقًا مع احتمال كبير للإصابة أو الوفاة.
يتم تشغيل “إس.دي.زد” بالكامل عن بعد بواسطة مشغل يجلس في محطة تحكم آمنة. ويستخدم الجندي شاشة لمس وأذرع تحكم إلكترونية لقيادة الروبوت، دون الحاجة إلى الاقتراب من المنطقة الخطرة.
ويمكن تشغيل الجهاز من مسافة تصل إلى 800 متر، بينما توفر كاميرات متعددة مثبتة على الروبوت رؤية شاملة لموقع العمل، ما يسمح للمشغل بمتابعة كل حركة بدقة عالية. كما يمكن ربط النظام بالشبكة العسكرية أو تشغيله عبر كابل ألياف بصرية في حال حدوث خلل في الاتصال اللاسلكي.
وخضع النظام لتقييم واختبارات دقيقة من قبل القسم التقني للجيش الفرنسي، وهو الجهة المسؤولة عن اختبار المعدات العسكرية قبل اعتمادها. وبعد اجتياز الاختبارات، دخل الروبوت الخدمة رسميًا في الجيش الفرنسي، حيث يوجد حاليًا ست وحدات عاملة منه.
وتتوزع هذه الوحدات على مدرسة الهندسة العسكرية الفرنسية، والفوج التاسع عشر للهندسة العسكرية، والفوج الحادي والثلاثين للهندسة العسكرية، ويستخدم الجهاز في عدة مهام ميدانية، منها: تأمين المناطق التي ستتمركز فيها القوات، إزالة الألغام من ساحات المعارك، تنظيف مستودعات الذخيرة المهجورة، ومعالجة المناطق الملوثة بالمتفجرات.
على الرغم من حجمه الكبير، تم تصميم نظام “إس.دي.زد” بحيث يمكن نقله بسهولة إلى مناطق العمليات المختلفة. فيمكن تحميله على متن طائرات النقل العسكرية مثل A400M أو C-17، وكذلك السفن العسكرية والشاحنات الثقيلة.
وهذا يعني أنه يمكن نشر الروبوت في أي منطقة ملوثة بالألغام خلال ساعات قليلة فقط، ما يتيح التعامل السريع مع المخاطر في مناطق النزاع أو بعد انتهاء العمليات العسكرية.
يعكس تطوير هذا الروبوت توجهًا متزايدًا لدى الجيوش الحديثة نحو استخدام الأنظمة الآلية والروبوتات لتقليل المخاطر البشرية في ساحات القتال. ففي الماضي كانت عمليات إزالة الألغام تُعد من أخطر المهام العسكرية على الإطلاق، إذ كان خبراء المتفجرات يضطرون إلى العمل بالقرب من الألغام مع احتمال دائم للانفجار.
أما اليوم، ومع دخول تقنيات مثل SDZ إلى الخدمة، أصبح بالإمكان تنفيذ هذه العمليات الخطيرة بواسطة آلات ذكية، بينما يبقى الجنود في مواقع آمنة.













