بعد وثيقة ملادينوف.. السلاح بين التصنيم والتخزين؟!

سليم الزريعي
رغم احتفاء ترمب بما سماه نزع سلاح حماس،عبر تخزينه، پأن وصفه إنه إنجاز تاريخي، غير أن هناك من اعتبر أن ذلك لا يعني شيئا، لأن المطلوب كشرط لاستكمال الأنسحاب والإعمار، هو أن يكون القطاع منزوع السلاح تماما، ولذلك حتى الآن يبقى اتفاق حماس وبعض الدول هو مجرد عرض، يجب أن يواجهه قبول من الطرف الآخر، في معادلة الصراع، وهو الكيان الصهيوني، ودون ذلك تبقى موافقة حماس على وثيقة الـ15 نقطة، مجرد مشروع اتفاق لم يكتمل.
سد ذرائع
إن حماس في لعبة الإرادات مع الكيان الصهيوني، سعت من خلال هذا العرض وبمساعدة تركيا وقطر ومصر في سياق سدها للذرائع، أن تقول إنها مستعدة لنزع سلاحها، شرط انسحاب جيش الاحتلال، وإعادة الإعمار، في رهان على أن يضغط دونالد ترمب على رئيس وزراء الكيان الصهيوني لتمرير الوثيقة.
الموافقة.. انتحار سياسي
لكن حسابات البعض في تعويله على اتفاق وفق نص الوثيقة، هو أمر يفتقد إلى القراءة الموضوعية، فيما يتعلق بالمشهد الصهيوني، الذي يعيش حالة صراع حزبي شرس على السلطة، قبيل الانتخابات التي ستجرى في أكتوبر المقبل، ونتنياهو هو المستهدف، ولذلك فإنه من غير الممكن وفق المعطيات، أن يوافق نتنياهو على وثيقة حماس ومجلس السلام،، لأن ذلك يعني انتحارا سياسيا، ولا نعتقد أن من ارتكب محرقة غزة سيوافق على ذلك.
من الذي تغير؟
لكن إذا كان نتنياهو والمؤسسات الصهيونية، يزعمون ان موافقة حماس غير كافية، فإن هذه الموافقة ستفتح عصفا داخليا فلسطينيا وعربيا حول هذا الأمر بالغ الاهمية، كونه يتعلق بالسلاح الذي طالما رددت حماس عبر قادتها وكل متحدثيها، أنه خط أحمر. في مواجهة الدعوات التي كانت تقول إن إنقاذ أهل غزة أولى من إنقاذ السلاح، لأن السلاح أداة تتغير بتغير شرطي الزمان والمكان واللحظة التاريخية، لكن إن من ذهبوا من أهل غزة لن يعودوا، وكم من عائله مسحت من السجل المدني.
هنا ربما يطرح سؤالا استفزازيا، ما قيمة السلاح ودوره، إذا لم يدافع عن الشعب؟ بعد سقوط 1255 شهيدا وآلاف المصابين، جراء العدوان الذي استمر بعد توقيع اتفاق شرم الشيخ، حيث أفادت تقارير فلسطينية، أنه خلال هذه المدة، لم تطلق. حتى طلقة واحدة من غزة على قوات الاحتلال، التزاما باتفاق شرم الشيخ. ليكون السؤال من الذي تغير؟
السلاح خط أحمر
وهنا يبدو منطقيا أن يكون هناك من يتساءل، ما الذي تغير حتى تقرر حماس الآن وليس قبل هذا الخراب حسب بعض الآراء، أن سلاحها لم يعد ربانيا أو مقدسا ومن ثم خطا أحمر؟ حتى ولو كان ذلك نظريا فقط، ومن باب سد الذرائع.
وفي تفكيك ما صدر عن حماس يمكن التقدير، إن أهمية ما صدر عن حماس في وثيقة الـ15 نقطة، التي اعتبرتها الحركة انتصارا، هي انها تُجرد السلاح من صنميته، وتفتح المجال للأسئلة الصعبة، عن السلاح كأداة من عشرات الأدوات في مشروع المقاومة الشامل.
وهنا يجب التمييز بين وظيفة السلاح الأساسية كأداة مقاومة، ضد المحتل. وبين توظيفه في غير وجهته المشروعة، وهو ما حدث، عندما استُخدمت هذه الأداة في الوضع الفلسطيني الداخلي، في سياق الاستقواء والترهيب من أجل هندسة الواقع الشعبي، عبر فرض نموذج داخلي سياسي واجتماعي واقتصادي وعسكري يخدم إيديولوجية حامل هذا السلاح، وهو ما جرى فعلا عام 2007، بعد أن استُخدم في الانقلاب والسيطرة على القطاع وطرد وتصفية وجود السلطة الفلسطينية فيه.
نصف خطوة
إن الموافقة على وثيقة النقاط الـ15، يمكن القول إنها نصف خطوة، ذلك أنه لا يمكن اعتبارها خطوة متكاملة دون موافقة الطرف الثاني في المعادلة، وهو الكيان الصهيوني.
وبمعزل عن إن كانت هذه الخطوة عن نزع السلاح، قد جرت بإرادة حرة من عدمه، إلا أن هذه الموافقة، تنفي عن هذه الأداة صفة الخط الأحمر، وإنما هي أداة للمقاومة.
وبهذا المعنى، ربما لن يصبح مفهوما لدى البعض، أنه هكذا فجاة لم يعد السلاح ذلك الخط الأحمر، في حين كان يواجه سابقا أي حديث عن إمكانية التضحية بالسلاح عوض التضحية بأهل غزة، كون السلاح يمكن تعويضه، ولكن لا يمكن تعويض من قضوا في محرقة غزة موتا أو إصابة، كان يواجه بالتشكيك في انتمائه.
وعلى ضوء ذلك، هل يمكن القول بعد وثيقة ملادينوف ذات الُـ 15 بندا، التي وافقت فيها حماس على نزع سلاحها، إن السلاح لم يعد مقدسا؟
ومع ذلك ومن خلال الوقائع المنشورة، قد يتخذ البعض من موقف حماس مادة لتفكيك خطابها السابق مقارنة به الآن، لكن نحن نقدر أن تنظيما قام على إعلاء مفهوم التقية، من المنطقي أن يكون لديه خطابين ولغتين، خطاب سري وآخر علني.
وفي ظني فإنه من الصعب، بالمعنى السيكولوجي، والايديولوجي تصور تخلي حماس عن مصدر قوتها، وسطوتها، والهندسة المقترنة بالسلوك التي كرستها في غزة طوال ما يقارب من 19 عاما، هذا من جانب، ومن جانب آخر ليس من السهل أن تتخلى الحركة عن حضورها في المشهدين الفلسطيني والعربي الذي بُني على شرط امتلاكها السلاح، فكان أن أقامت سلطتها ونظامها الخاص في غزة على امتداد هذه السنوات.
وبعد:
إن تخلي حماس عن السلاح بغض النظر عن التفاصيل ونواياها الحقيقية من هذا الموضوع، هي سابقة بالغة الحساسية، لاسيما في الذاكرة والوعي الفلسطيني، ارتباطا بخطاب حماس، وذلك في الوقت الذي كانت تعد فيه الغزيين مع كل ما كانوا يتعرضون له من حرب إبادة بالنصر.
وحتى لا يذهب البعض في تفسير مغاير عن رمزية وأهمية السلاح بالنسبة للفلسطيني، ليس إعلاء لشأن السلاح في ذاته، ولكن لأن السلاح معادل موضوعي للاحتلال، لأن وجود الاحتلال شرط ملزم لوجود السلاح، ولذلك هو لا يرتبط بحامل معين. وإنما بالشعب، فهو وحده القادر على اشتقاق أدواته الكفاحه وفق شرط اللحظة، وهو أمر لا يتعلق برغبات أو قرارات من أي جهة، ولكن بإرادة الشعب الفلسطيني الثابت الوحيد، فيما حوامل السلاح، مهما عظُمت، فهي حتما متغيرة، لأنها سنة الحياة.













