ضوء أخضر لإزالة مواد نووية من سوريا.. أسرار «الموقع 99»

تستعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية لسحب مواد نووية مخزنة في موقع سري داخل الأراضي السورية خلال الفترة القريبة القادمة.
وأكد مسؤولون أمريكيون، وفق “أكسيوس”، أن هذه التطورات تعزز نجاعة النهج الذي تعتمده إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إزاء الملف السوري، مبرزين دور العلاقات الوثيقة التي أقامتها واشنطن مع الحكومة السورية الجديدة في تحييد أزمة إقليمية كانت وشيكة.
وكانت كواليس هذه الأزمة قد شهدت على مدى أشهر تجاذبات محتدمة وتهديدات متقابلة، اتسمت بالتكتم الشديد ولم يسبق الكشف عن تفاصيلها حتى التوصل إلى تسوية بشأنها قبل أسابيع.
وتعود جذور القضية إلى البرنامج النووي الذي طوّره نظام عائلة الأسد سابقاً، والذي شكل مفاعل «الكبَار» عماده الرئيسي، قبل أن تقصفه القوات الإسرائيلية عام 2007 وتدمر معظم البنية التحتية لهذا البرنامج.
غير أن العديد من المنشآت المخصصة للبحث والتطوير والتخزين ظلت قائمة على حالها دون نشاط يُذكر.
وعقب سقوط نظام بشار الأسد، وقّعت الحكومة السورية الجديدة اتفاقاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتيح لمفتشيها زيارة موقع «الكبَار» وعددًا من المنشآت المرتبطة بالأنشطة النووية السابقة.
وفي هذا الصدد، أوضح شارل ليستر، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن الحكومة السورية الجديدة تبدي حرصاً جلياً على تصفية الملفات الشائكة الموروثة عن النظام السابق — وفي مقدمتها ملفا السلاحين النووي والكيماوي — لتجنب أي تداعيات قد تعرقل جهودها في إعادة تعزيز مكانة البلاد على الساحة الدولية.
الموقع 99
وشكلت المنشأة المعروفة باسم “الموقع 99” إحدى أبرز النقاط التي خضعت لمراقبة إسرائيلية حثيثة على مدار العامين الماضيين. وطبقاً لمسؤولين إسرائيليين، فإن نظام الأسد كان قد احتفظ في هذا الموقع بمواد نووية متبقية من مشروع مفاعل.
وأوضح مسؤول أمريكي أن تلك المواد تشتمل على مركب “الكعكة الصفراء” (مسحوق يورانيوم مركز)، والذي يمكن معالجته لاحقاً وتخصيبه ضمن مراحل دورة الوقود النووي. كما احتفظ النظام السابق في الموقع ذاته بمخلفات ورواسب أخرى ناجمة عن مشروع المفاعل المذكور.
ورغم أن المواد الموجودة في المنشأة غير صالحة للاستخدام المباشر في تصنيع سلاح نووي، إلا أنه يمكن استخدامها في إنتاج ما يُعرف بـ “القنبلة القذرة”، وهي عبوة تفجيرية تقليدية تُستغل لنشر المواد المشعة وتلويث مساحات واسعة دون إحداث تفجير نووي.
ووفقاً للمصادر الإسرائيلية، فإن القوات الإسرائيلية كانت قد استهدفت المداخل المؤدية للموقع بقصف جوي عقب سقوط نظام الأسد مباشرة، بهدف تعطيل الوصول إليه ومنع استغلاله.
ضغوط الميدان
استمرت المباحثات بين واشنطن وتل أبيب لأكثر من عام لبحث السبل الكفيلة بالتعامل مع “الموقع 99″، حيث تولى مسؤولون كبار في مجلس الأمن القومي الأمريكي ونظراؤهم في هيئة الأمن القومي الإسرائيلي إدارة التفاصيل.
وأبلغت تل أبيب إدارة ترامب بوضوح عدم قبولها ببقاء أية مواد نووية داخل الموقع، ووصل الأمر، بحسب مسؤولين إسرائيليين، إلى التهديد بتوجيه ضربات جديدة للموقع حال أُعيد فتح أروقته أو رُصدت تحركات سورية للوصول إلى تلك المواد، وإن كان مسؤول أمريكي قد أشار إلى أنه رغم القلق الإسرائيلي، إلا أن خيار القصف لم يكن وشيك التنفيذ.
وانتهت المشاورات الأمريكية – الإسرائيلية إلى التوافق على أن الخيار الأمثل يتمثل في الحصول على موافقة الحكومة السورية للتعاون في إخراج تلك المواد.
وعند طرح الملف مع الجانب السوري، أكد المسؤولون في دمشق عدم علمهم بوجود مواد نووية في المنشأة، وهو ما علّق عليه مسؤول أمريكي بقوله إن “عدد الأشخاص الذين كانوا على دراية بوجود هذه المواد في واشنطن وتل أبيب ودمشق كان محدوداً للغاية”.
وأضاف المسؤول نفسه أن واشنطن نجحت في إرساء علاقات عمل مثمرة مع الإدارة السورية الحالية، واصفاً إياها بـ”الشريك الجيد” في التعاون المشترك.
ساعات حرجة
شهدت الأسابيع القليلة الماضية حبس أنفاس مكتوم، بعدما رصدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تحركات في محيط الموقع، أثارت شكوكاً في إمكانية تراجع دمشق عن التفاهمات ومحاولتها الوصول إلى المواد المخزنة، بل وسرت مخاوف إسرائيلية من إمكانية تقديم أنقرة يد العون لدمشق في هذا الصدد، بحسب “أكسيوس”.
وعلى أثر ذلك، طلبت إدارة ترامب من الجانب الإسرائيلي التريث وعدم اتخاذ أي إجراء عسكري، بالتوازي مع إدخال الوكالة الدولية للطاقة الذرية طرفاً مباشراً في الترتيبات.
وأسفرت هذه التحركات عن توقيع اتفاق رسمي قبل ثلاثة أسابيع بين الوكالة الدولية والحكومة السورية، يقضي بنقل المواد النووية وإخراجها من الموقع المذكور.
وفيما امتنعت كل من البيت الأبيض والوكالة الدولية ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التعليق الرسمي، تؤكد المصادر الأمريكية أن عمليات التنسيق بشأن “الموقع 99” لا تزال جارية، حيث لم تتم عملية النقل الفعلي بعد.
واختتم مسؤول أمريكي حديثه بالقول: “نعتقد أن جميع الأطراف راضية عن النتيجة المتوصل إليها. ونأمل أن نتمكن من تدشين عملية الإجلاء قريباً وإنهاء هذا الملف بالكامل قبل نهاية العام الحالي”.













