23 قطعة أثرية سورية تعود من باريس بعد 15 عاما.. ما القصة؟

لتتجاوز عودتها استعادة مقتنيات أثرية إلى أبعاد ثقافية ودبلوماسية بين سوريا وفرنسا، وقال عمار كناوي، مدير شؤون المتاحف، إن القطع الـ23 كانت معارة إلى معهد العالم العربي في باريس للمشاركة في معرض دائم، بموجب اتفاقية إعارة مدتها عامان، بدأت عام 2011 وانتهت عام 2013، وكان مقررًا إعادة القطع إلى سوريا فور انتهاء المعرض.
وأوضح كناوي أن اندلاع الحرب في سوريا غيّر مسار الملف، فتحولت الإعارة المؤقتة إلى بقاء استمر 15 عامًا، مشيرًا إلى أن فرنسا قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة السورية آنذاك، ورأت أن الظروف الأمنية في سوريا لم تعد توفر الحماية الكافية للمقتنيات الأثرية، خاصة مع تعرض عدد من المتاحف للقصف.
وأضاف أن الملف كان من القضايا المعقدة في مديرية الآثار والمتاحف، قبل أن يحظى بأولوية جديدة عقب زيارة وزير الثقافة السوري إلى باريس واطلاعه على القطع، الأمر الذي ساعد على إعادة فتح الملف والتوصل إلى اتفاق بشأن استعادتها.
وأشار كناوي إلى أن عودة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وفرنسا أسهمت في إغلاق الملف، إذ عادت القطع إلى دمشق على متن الطائرة الرئاسية الفرنسية، مؤكدًا أن كل قطعة ضمن المجموعة تمثل مرحلة مهمة من تاريخ سوريا، وتحمل خصوصية وقصة تاريخية مستقلة.
قطع من عصور مختلفة
من جهتها، قالت الدكتورة ليلى السماك، أمينة متحف الآثار السورية القديمة، إن اختيار القطع الـ23 جرى بعناية، بحيث تمثل مراحل متنوعة من التاريخ السوري، بداية من عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالعصرين البرونزي والحديدي، وصولًا إلى العصور الكلاسيكية والإسلامية.
وأوضحت أن المجموعة تضم قطعًا من تدمر ومن العصور الإسلامية، من بينها مقتنيات جرى اختيارها من قصر الحير الغربي، وهو القصر الأموي المعروف بمكانته الأثرية.
ومن بين القطع تمثال لرجل حظي باهتمام الباحثين والدراسات الأثرية، لما يحمله من قيمة تاريخية. ولفتت السماك إلى أن وجود قطع من هذا النوع يعكس التنوع الحضاري والديني الذي عرفته سوريا عبر تاريخها، مؤكدة أن الثقافة الإسلامية لا ترفض تراث الأديان والحضارات الأخرى، وإنما تستوعب هذا التنوع وتحافظ عليه.
فحص القطع قبل عودتها
وأكد كناوي أن استعادة القطع سبقتها إجراءات للتأكد من سلامتها الفنية، موضحًا أن الإجراءات المعتمدة اقتضت سفر خبير أثري إلى فرنسا لمعاينة القطع قبل شحنها إلى سوريا.
وقال إن القطع كانت محفوظة في ظروف ممتازة، ولم تسجل عليها مشكلات فنية أو أضرار تذكر، كما جرى التحقق من مطابقة ظروف التخزين والعرض لمعايير الحفظ المناسبة.
وتحمل عملية الاستعادة مفارقة شخصية بالنسبة إلى كناوي، إذ كان هو نفسه ضمن الفريق الذي شارك في إخراج القطع من سوريا عام 2011، قبل أن يعود بعد 15 عامًا ليكون مسؤولًا عن استعادتها.
وروى كناوي أن بداية الأحداث في سوريا تزامنت مع الاستعداد لنقل القطع للمشاركة في المعرض، قبل أن تتدهور الأوضاع الأمنية، ما دفع إلى إخراجها من البلاد حفاظًا عليها. وقال إنه بعد مرور السنوات لم يكن يتوقع أن تتاح له فرصة رؤيتها مرة أخرى، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة مع التغيرات السياسية الأخيرة.
وأضاف أن عودته إلى فرنسا لاستعادة القطع شكلت إغلاقًا لدائرة بدأت عام 2011، إذ وجد نفسه بعد 15 عامًا أمام القطع نفسها والصناديق التي شارك في تجهيزها لنقلها إلى فرنسا.
ملف أوسع لحماية التراث السوري
ولا تقتصر أهمية العملية على استعادة القطع الـ23، بحسب كناوي، إذ تأتي ضمن ملف أوسع يرتبط بحماية التراث السوري الذي تعرض خلال سنوات الحرب لأضرار واسعة، شملت النهب والتخريب والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
وأوضح أن بعض القطع الأثرية السورية خرجت من البلاد عبر قنوات قانونية، استنادًا إلى اتفاقيات دولية، بينما غادرت قطع أخرى بصورة غير مشروعة نتيجة عمليات نهب واتجار غير قانوني.
وأشار إلى أن مديرية الآثار والمتاحف تتابع عددًا من هذه الملفات بالتعاون مع جهات دولية، بينها الشرطة الدولية «الإنتربول»، موضحًا أن هناك مجموعات من القطع المشتبه في خروجها بصورة غير قانونية يجري تتبعها في الولايات المتحدة وهولندا وسويسرا.
عودة تحمل رسالة دبلوماسية
وبعد استعادتها، عُرضت القطع الـ23 ضمن معرض «صيف سوريا»، لتمنح عملية العودة بُعدًا يتجاوز استرداد الممتلكات الأثرية.
ويرى كناوي أن إعادة القطع تبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه المتاحف والآثار في تعزيز الدبلوماسية الثقافية بين الدول، معتبرًا أن عودة المجموعة تمثل مؤشرًا مهمًا على طبيعة المرحلة الجديدة في العلاقات السورية الفرنسية.
وقال إن عودة قطع أثرية سورية برفقة رئيس دولة تحمل «مؤشرًا قويًا» على مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتؤكد أن التراث الثقافي يمكن أن يشكل جسرًا لإعادة بناء العلاقات بين الدول، فضلًا عن كونه جزءًا أصيلًا من ذاكرة الشعوب وهويتها التاريخية.















