ترامب يعيد رسم الخريطة.. فنزويلا تجدد طموحات «الولاية 51»

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إشعال الجدل بشأن طموحاته، بعدما لوّح مجددًا بفكرة ضم فنزويلا إلى الولايات المتحدة كـ«الولاية رقم 51».
ولم يكن المنشور مجرد مزحة سياسية عابرة، إذ سبقته تصريحات أدلى بها ترامب لشبكة «فوكس نيوز»، قال فيها إنه يفكر «بجدية» في ضم فنزويلا، مشيرًا إلى أن البلاد تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تُقدّر قيمتها بنحو 40 تريليون دولار، مضيفًا أن «فنزويلا تحب ترامب».
وتأتي هذه التصريحات في ظل تحولات دراماتيكية شهدتها فنزويلا خلال الأشهر الماضية، بعد العملية العسكرية الأمريكية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وسط اتهامات أمريكية تتعلق بالإرهاب والاتجار بالمخدرات.
من مادورو إلى «الولاية 51»
ويبدو أن طرح ترامب يرتبط مباشرة بالتطورات التي شهدتها فنزويلا مطلع العام الجاري، عندما نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية مشتركة حملت اسم «العزم المطلق»، انتهت بالقبض على مادورو وزوجته.
واستندت العملية إلى لائحة اتهام أمريكية صدرت عام 2020، تضمنت اتهامات تتعلق بالإرهاب وتسهيل الاتجار بالمخدرات، وهي الاتهامات التي نفاها مادورو بشكل قاطع.
وعقب العملية، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة «ستدير البلاد مؤقتًا» إلى حين ضمان انتقال آمن للسلطة، فيما ألمح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى استمرار الرقابة الأمريكية على تطورات المشهد السياسي الفنزويلي.
وتتولى حاليًا ديلسي رودريغيز منصب الرئيس المؤقت لفنزويلا، بينما لا تزال المحكمة العليا الفنزويلية تعتبر مادورو «الرئيس الشرعي» رغم غيابه القسري.
النفط.. قلب الحسابات الأمريكية
ويضع ترامب النفط في قلب مبرراته لطرح فكرة ضم فنزويلا.
فالدولة اللاتينية تمتلك واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وهو ما وصفه ترامب بأنه «أهمية استراتيجية واقتصادية هائلة» للولايات المتحدة.
ويرى ترامب أن السيطرة الأمريكية المباشرة على فنزويلا قد تمنح واشنطن نفوذًا غير مسبوق في سوق الطاقة العالمية، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بإمدادات النفط العالمية، والتنافس مع الصين وروسيا على النفوذ في أمريكا اللاتينية.
كما تأتي تصريحات ترامب في سياق خطاب سياسي يقوم على توسيع النفوذ الأمريكي وإعادة تقديم الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأكثر قدرة على فرض هيمنتها الجيوسياسية والاقتصادية.
وتعزز التطورات الاقتصادية الأخيرة هذا المسار، بعدما ارتفع حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وفنزويلا بنسبة 22.7% خلال الربع الأول من العام الجاري، مدفوعًا بزيادة صادرات النفط الخام الفنزويلي إلى السوق الأمريكية.
وبحسب بيانات غرفة التجارة والصناعة الفنزويلية-الأمريكية، بلغت التجارة الثنائية بين البلدين نحو 3.29 مليارات دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، مقارنة بـ2.68 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وشكل النفط الخام نحو 96.5% من إجمالي الصادرات الفنزويلية إلى الولايات المتحدة، في مؤشر على عودة النفط ليكون المحرك الرئيسي للعلاقات بين البلدين.
ويأتي ذلك بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين واشنطن وكراكاس في مارس/آذار الماضي، عقب موافقة ترامب على تعيين ديلسي رودريغيز رئيسة مؤقتة لفنزويلا، مقابل منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى الاحتياطات النفطية الفنزويلية.
كما اتخذت الحكومة الفنزويلية الجديدة خطوات لإنهاء سيطرة الدولة على قطاع النفط بهدف جذب المستثمرين الأجانب، فيما خففت واشنطن العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة ومنحت تراخيص لشركات أجنبية للعمل داخل فنزويلا.
عقبات دستورية وسياسية
ورغم التصعيد السياسي والإعلامي الذي أثارته تصريحات ترامب، فإن تحويل فنزويلا إلى ولاية أمريكية يظل احتمالًا بالغ التعقيد من الناحية القانونية والدستورية.
فالمادة الرابعة من الدستور الأمريكي تمنح الكونغرس صلاحية قبول ولايات جديدة بأغلبية بسيطة في مجلسي النواب والشيوخ، على أن يوقع الرئيس القرار النهائي.
لكن هذا المسار يتطلب أولًا موافقة رسمية وصريحة من حكومة الدولة المعنية وشعبها على التخلي عن السيادة الوطنية والتقدم بطلب انضمام رسمي إلى الولايات المتحدة.
كما تشير تقارير صادرة عن دائرة أبحاث الكونغرس إلى أن قبول أي ولاية جديدة يستوجب:
- وجود تأييد شعبي واضح داخل الإقليم
- توافقًا سياسيًا داخليًا
- التأكد من خدمة الخطوة للمصالح القومية الأمريكية
وتبقى السوابق التاريخية محدودة، إذ إن أغلب الولايات الأمريكية انضمت بعد أن كانت أراضي أمريكية أو مناطق خاضعة لسيطرة واشنطن.
ويُعد انضمام تكساس عام 1845 أبرز استثناء، بعدما كانت جمهورية مستقلة قبل أن توافق طوعًا على الانضمام للولايات المتحدة.
من كندا إلى غرينلاند
ولا تُعد فنزويلا أولى الطروحات التوسعية التي يثيرها ترامب.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، دعا رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو إلى التنحي، ملمحًا إلى ضم كندا كـ«ولاية أمريكية»، واصفًا إياه حينها بـ«حاكم ولاية كندا العظمى».
كما عاد ترامب في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى طرح فكرة شراء جزيرة غرينلاند، معتبرًا أن الجزيرة تمثل ضرورة للأمن القومي الأمريكي.
رفض فنزويلي وتحذيرات سياسية
وفي المقابل، رفضت السلطات الفنزويلية بشكل قاطع فكرة تحويل البلاد إلى ولاية أمريكية.
وأكدت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز أن فنزويلا «لن تكون أبدًا ولاية أمريكية»، معتبرة أن تصريحات ترامب تمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية.
كما أثارت التصريحات الأمريكية مخاوف داخل أمريكا اللاتينية من عودة الخطاب المرتبط بالهيمنة الأمريكية التقليدية على دول القارة.













