ستة مرشحين ومقعد واحد.. من يقود الأمم المتحدة؟

وسط أزمة مالية وتراجع الثقة بالمنظمة وضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يستعد مجلس الأمن لأول تصويت استطلاعي لاختيار خليفة أنطونيو غوتيريش.
وقالت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك إنه “في عالم شديد التفتت، تحتاج الأمم المتحدة ليس فقط إلى رئيس مميز لإدارتها، يكيف المنظمة مع القرن الحادي والعشرين، لكنها تحتاج أيضا إلى قيادة ونزاهة شخص مستعد للدفاع بقوة عن ميثاق الأمم المتحدة وأركانه الثلاثة”، وهي السلام والأمن، وحقوق الإنسان والتنمية.
أزمة حادة
وتعيش الأمم المتحدة أزمة مالية حادة وتراجعا في الثقة بها، في ظل انتقادات تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تأخذ على المنظمة إنفاقها غير المضبوط، وتشتت أدوارها، وعجزها عن تحقيق نتائج مرضية. وتطالب واشنطن المنظمة بـ”العودة” إلى ركنها الأساسي، أي السلام والأمن، بينما تؤكد دول أخرى أن الركنين الآخرين لا يقلان أهمية.
وبالرغم من امتلاك الولايات المتحدة والدول الأربع الأخرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والصين، حق النقض خلال عملية الاختيار، يتوقع أن يسعى المرشحون إلى الموازنة بين المطالب الأمريكية وما تعده دول أخرى خطوطا حمراء، وإن لم تكن واضحة دائما.
تجنب إغضاب القوى الكبرى
واعتبر المحلل في “مجموعة الأزمات الدولية” ريتشارد غوان، في حديث لوكالة الأنباء الفرنسية، أن سباق المرشحين هذا العام “يفتقر إلى الطاقة” مقارنة بحملة عام 2016 التي كانت “أكثر حيوية”، وشهدت عددا أكبر من المرشحين وقدرا أوسع من “المناورات”، قبل أن يستقر الاختيار على أنطونيو غوتيريس.
وتابع غوان قائلا “هذه المرة، الجميع متفق على أن السباق بالغ الأهمية لمستقبل الأمم المتحدة، لكن المنافسة نفسها تبقى حذرة”، مشيرا إلى أن المرشحين يريدون “تجنب إغضاب الولايات المتحدة وقوى أخرى تملك حق النقض”.
وخضع المرشحون الستة سابقا لجلسة مساءلة مكثفة أمام ممثلي الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة، استغرقت ثلاث ساعات لكل منهم. وشدد معظمهم خلالها على ضرورة مواصلة الإصلاح الجاري في المنظمة لجعلها أكثر فاعلية، وعلى أهمية أن يضطلع الأمين العام بدور أكبر في جهود إحلال السلام حول العالم.
اقتراع سري
وفي 30 تموز/يوليو، من المقرر أن يبدي أعضاء مجلس الأمن الـ15 آراءهم سرا بشأن المرشح الذي يرونه الأنسب، خلال جلسة مغلقة هي الأولى من نوعها لهذا الغرض.
وبعد هذا “التصويت الاستطلاعي” الأول، ينتظر إجراء عدد غير محدد من عمليات التصويت المماثلة، إلى أن يتمكن أحد المرشحين من حصد الأصوات التسعة اللازمة من دون أن يواجه أي نقض من الدول الخمس الدائمة العضوية. ثم يحال اسم المرشح المختار إلى الجمعية العامة لإجراء التعيين الرسمي للأمين العام، الذي يتولى مهامه في الأول من كانون الثاني/يناير 2027.
من المرشحون؟
وامتنع عدد من الدبلوماسيين الذين تحدثت إليهم وكالة الأنباء الفرنسية عن التكهن بمآلات السباق، لافتين إلى أن عواصم عدة لم تحسم خيارها بعد.
وبحسب غوان، فإن “غروسي هو أكثر من يوصفون بالأوفر حظا، لكن كسب السباق غير محسوم له، إذ إن لمرشحين آخرين كغرينسبان ورودريغيز-بوركيت عددا كبيرا أيضا من المؤيدين”. ولم يستبعد أن تأتي المفاجأة من مرشح لم يعلن بعد.
وفي الأروقة ووسائل الإعلام، لا تزال أسماء عدة متداولة، من بينها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، الذي أشارت صحيفة “نيويورك بوست” إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرغب في أن تعهد إليه الأمانة العامة.
واستنادا إلى تقليد غير ملزم يقوم على التداول الجغرافي، تطالب دول أمريكا اللاتينية بالحصول على هذا المنصب هذه المرة. كما تدعو دول عدة إلى أن تتولاه امرأة للمرة الأولى.
ميشيل باشليه
تسعى الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه إلى تحقيق سابقة جديدة في مسيرتها السياسية، بعدما كانت أول امرأة تتولى رئاسة تشيلي خلال ولايتين (2006-2010 و2014-2018)، إذ تطمح إلى أن تصبح أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بعد إخفاق عدد من المرشحات أمام أنطونيو غوتيريش في سباق عام 2016.
وقالت باشليه (74 عامًا) في وقت سابق من العام الجاري: «إذا أردت أن أكون مهذبة، فسأقول إن العالم لم يكن مستعدًا آنذاك. هل أصبح مستعدًا الآن؟ آمل ذلك». وأضافت أن انتخاب امرأة لهذا المنصب سيكون «إشارة مهمة» تبعث الأمل لدى كثيرين.
كما شغلت باشليه منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة بين عامي 2018 و2022، وهو المنصب الذي وضعها في قلب العديد من القضايا الجيوسياسية الكبرى التي قد تواجهها إذا أصبحت أمينة عامة للمنظمة.
ورغم إقرارها بأنها لا تمتلك «وصفة سحرية» لحل الأزمات داخل مجلس الأمن، فإنها تؤكد أن خبرتها الطويلة في العمل السياسي والدولي تمثل أبرز نقاط قوتها.
رافائيل ماريانو غروسي
أمضى الدبلوماسي الأرجنتيني رافائيل ماريانو غروسي معظم مسيرته المهنية في مجال الطاقة النووية، قبل أن يُعين عام 2019 مديرًا عامًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة مستقلة تابعة لمنظومة الأمم المتحدة.
ويرى غروسي أن خبرته في هذا المجال تمنحه أفضلية في ظل التوترات الدولية الراهنة، مع تزايد المخاوف من تصاعد خطر اندلاع مواجهة نووية. وقال في مقابلة مع منصة جنيف سولوشنز السويسرية: «هذه الخبرة تمثل ميزة واضحة، فمن الضروري أن تفهم العالم الذي تعيش فيه».
ويدعم غروسي برنامج الإصلاح الحالي للأمم المتحدة المعروف باسم UN80، معتبرًا أنه «لا حاجة لإعادة اختراع العجلة»، لكنه يدعو إلى تبسيط هيكل المنظمة عبر دمج بعض هيئاتها، والحد من تكرار الهياكل والاختصاصات، بما يسهم في خفض التكاليف التي تتحملها الدول الأعضاء.
ماريا فرناندا إسبينوزا
تملك الإكوادورية ماريا فرناندا إسبينوزا (61 عامًا)، المولودة في إسبانيا، مسيرة مهنية متنوعة؛ إذ شغلت منصب وزيرة خارجية الإكوادور، كما تُعرف بأنها شاعرة وكاتبة مقالات، وخبيرة في التنمية المستدامة والتغير المناخي، لا سيما في منطقة الأمازون، حيث عملت في بداية مسيرتها مع مجتمعات السكان الأصليين.
وأقرت إسبينوزا، التي سبق أن تولت رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأن المنظمة تواجه أزمة مالية غير مسبوقة، وقالت في مقابلة مع صحيفة ذا أوبزرفر البريطانية إن «أكبر تحدٍ يواجه الأمم المتحدة حاليًا هو التحدي المالي»، معتبرة أن المنظمة باتت أمام خيار واضح: «إما الإصلاح، أو التحول، أو الفناء».
وترى إسبينوزا أن تحقيق هذا الإصلاح يتطلب تعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية، والاستفادة من دور أوروبا، سواء في توفير الدعم المالي أو في أداء دور «جسر» بين الدول ذات المصالح والمواقف المتعارضة.
ريبيكا غرينسبان
شغلت ريبيكا غرينسبان منصب نائبة رئيس كوستاريكا بين عامي 1994 و1998، وتشغل حاليًا منصب الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، الذي يدافع عن مصالح الدول النامية في المفاوضات التجارية.
وحظيت بإشادة واسعة لدورها في التوصل إلى اتفاق أتاح استمرار تصدير الحبوب الأوكرانية عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وتدعو غرينسبان إلى أن تكون الأمم المتحدة أكثر جرأة في مواجهة التحديات العالمية، معتبرة أن البيروقراطية بطبيعتها تتجنب المخاطرة، وهو ما يحد من قدرة المنظمة على الابتكار واتخاذ المبادرات. كما تؤيد توسيع تمثيل مجلس الأمن، ولا سيما بمنح أفريقيا وأمريكا اللاتينية حضورًا أكبر.
ماكي سال
يُعد الرئيس السنغالي السابق ماكي سال (64 عامًا) أحدث المرشحين عهدًا بتولي منصب سياسي رفيع؛ إذ قاد السنغال رئيسًا للجمهورية بين عامي 2012 و2024، بعدما شغل سابقًا منصب رئيس الوزراء.
وخلال فترة حكمه شهدت البلاد تنفيذ مشروعات كبيرة في مجال البنية التحتية، إلا أن شعبيته تراجعت خلال ولايته الثانية، خاصة بعد الاحتجاجات التي اندلعت عام 2021 إثر سجن زعيم المعارضة عثمان سونكو.
كما أثارت محاولته تأجيل الانتخابات الرئاسية لعام 2024، والتي أعقبها اندلاع احتجاجات دامية، انقسامًا واسعًا داخل البلاد.
ورغم أن الحكومة السنغالية الحالية لم تؤيد ترشحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في البداية، فإنها عدلت موقفها الشهر الماضي وأعلنت دعمها الرسمي لترشيحه.
كارولين رودريغيز-بوركيت
تُعد كارولين رودريغيز-بوركيت أحدث المنضمين إلى السباق، بعدما أعلنت ترشحها في منتصف يونيو/حزيران الماضي.
وتشغل حاليًا منصب المندوبة الدائمة لغيانا لدى الأمم المتحدة، كما سبق أن تولت مناصب عدة داخل المنظمة الدولية، إضافة إلى حقيبة الخارجية في بلادها.
وتنتمي رودريغيز-بوركيت إلى السكان الأصليين للأمريكتين (الأميرينديين)، وشغلت مناصب حكومية معنية بقضايا مجتمعاتهم.
ووصف رئيس غيانا، عرفان علي، رؤيتها للأمم المتحدة بأنها تقوم على تعزيز التعددية، ورفع كفاءة المنظمة واستجابتها، وترسيخ حوكمة عالمية أكثر شمولًا، وضمان قدرة الأمم المتحدة على مواجهة تحديات العصر.



















