الدبابة لم تمت.. أوكرانيا تعيد رسم قواعد الحرب في عصر المسيرات

أظهرت عملية أوكرانية أن شن هجمات باستخدام الدبابات والمركبات المدرعة لا يزال ممكناً في ظل حرب تهيمن عليها المسيرات.
وأثارت هذه التوجهات تساؤلات لدى المراقبين حول ما إذا كانت الدبابات لا تزال تؤدي دوراً في الحروب الحديثة واتخذت هذه النقاشات منحىً جديداً في أعقاب العمليات القتالية الأوكرانية الأخيرة وذلك وفقا لما ذكره موقع “بيزنس إنسايدر” الأمريكي.
وفي تصريح لمنصة “ميليتارني” الأوكرانية، قال العميد أندري بيلتسكي، قائد فيلق الجيش الثالث الأوكراني وهي الوحدة المسؤولة عن عملية “فيفالدي” التي نجحت حتى الآن في استعادة 277 كيلومتراً مربعاً من الأراضي، إن القوات الأوكرانية نفذت هذا الأسبوع هجومين ميكانيكيين ناجحين خلف الخطوط الروسية.
وفي معرض كشفه عن تفاصيل العملية، أشار بيلتسكي إلى أنه كان متشككاً في إمكانية تنفيذها، وظل غير متأكد حتى اللحظة الأخيرة من إمكانية استخدام المركبات المدرعة بنجاح، لكنه قرر منح قادة الألوية الضوء الأخضر للمحاولة.
وتطلبت هذه الهجمات إعداداً وتنسيقاً مكثفين وقال بيلتسكي “أصبح استخدام المركبات المدرعة اليوم بمثابة عملية خاصة؛ إذ يتطلب تخطيطاً دقيقاً للغاية وتنسيقاً بين عدد هائل من الأصول والقدرات”.
أول اختراق تكتيكي
من جانبه، قال جورج باروس، مدير الابتكار في “معهد دراسة الحرب” الأمريكي لـ”بيزنس إنسايدر” إن هذه العملية تبدو “كأول اختراق تكتيكي ميكانيكي ناجح في ساحة معركة تهيمن عليها المسيرات”.
ويرى باروس أنه على رغم أن المكاسب الميدانية لهذا الهجوم كانت محدودة، إلا أنه الأكثر أهمية وتأثيراً سواء على مستوى مسرح العمليات أو من منظور العلوم العسكرية.
وقال “تضمنت عملية التخطيط للمهمة تدريباً منفصلاً لأطقم المركبات والمشاة، وتزويد المركبات بمعدات إضافية، وتوفير دعم مكثف لتأمين التقدم”.
وأضاف “الدرس الكبير هنا هو أن الدبابة لم تمت، ولم تصبح شيئاً عفا عليه الزمن؛ بل إن المتطلبات اللازمة لجعل الدبابة فعالة أصبحت معقدة وشاملة وصعبة التحقيق للغاية، لكنها في الوقت ذاته تظل ضرورية وحاسمة لتحقيق النجاح في ساحة المعركة”.
وتكمن الصعوبة في تكرار هذا النجاح؛ فمثل هذه الهجمات تتطلب موارد ووقت تحضير يفوق ما يمكن لبعض الوحدات العسكرية تخصيصه للمهمة.
وأشار باروس إلى أن عدداً قليلاً جداً من الوحدات الأوكرانية تتمتع بمستوى التدريب والتجهيز الذي يحظى به “فيلق الجيش الثالث” وهي الوحدة التي قادت الهجوم.
وتابع “إذا نجحت أوكرانيا في تعميم هذه الدروس والتكتيكات على وحدات أخرى من قواتها المسلحة، فسنكون أمام جيش أوكراني يتمتع بقدرات فائقة، وقادر على دحر القوات الروسية”.
وجاءت عملية “فيفالدي” الأخيرة في إطار مسعى أكبر لإعادة إدخال المركبات المدرعة في العمليات الهجومية الكبرى التي تهدف إلى تحقيق اختراقات ميدانية.
وفي مايو/أيار الماضي، رصد معهد دراسة الحرب أن أوكرانيا بدأت لأول مرة منذ 2023 في تنفيذ هجمات مضادة ميكانيكية بوتيرة متكررة شملت استخدام المركبات المدرعة في الهجمات على الخطوط الأمامية.
وفي أغسطس/آب، قدر المعهد أن أوكرانيا تمكنت من استعادة القدرة على تنفيذ مناورات ميكانيكية محدودة، وذلك بفضل تحسين التخطيط، وتحييد الدفاعات الجوية الروسية، والاستعانة بالمسيرات.
وبحلول أكتوبر/تشرين الأول، رصد المعهد تفوقاً لصالح أوكرانيا في هذا النوع من العمليات المتجددة.
وذكر بيليتسكي أن الهجوم الميكانيكي مكن قواته من تطويق بلدة “نوفي” جزئياً، ونشر مشاة خلف الخطوط الروسية لمهاجمة مشغلي المسيرات.
وأوضح أن هذه الهجمات أضعفت قدرة روسيا على تنفيذ عمليات باستخدام المسيرات وجمع المعلومات الاستخباراتية في ساحة المعركة، مما مهد الطريق لتحقيق اختراق تكتيكي.
ويشير باروس إلى أن القضاء على مشغلي المسيرات يعد أمراً بالغ الأهمية، لأنه يتيح للقوات الأوكرانية التقدم للأمام وعلى مدار العام تحسنت أوكرانيا في هذا الجانب مما سمح لمركباتها بالتوغل لمسافات أبعد.
كما أكد قادة “فيفالدي” على أهمية تهيئة ساحة المعركة من خلال إضعاف العدو أولاً، وذلك عبر استخدام المدفعية والمسيرات والروبوتات.
لقد جعلت الشبكات الكثيفة من المسيرات والألغام الأرضية والمدفعية من الهجمات المدرعة واسعة النطاق أمراً صعباً وخطراً.
دروع حماية
وبشكل خاص، تجعل المسيرات منخفضة التكلفة من الصعب حشد القوات، كما أنها تزيد من تعقيد المناورات وعمد كلا الطرفين إلى إضافة دروع حماية لآلياتهما، مع تقليل نشاط الدبابات وإبقائها غالباً على مسافة أبعد من خط المواجهة ومع ذلك، تظهر عملية “فيفالدي” أن الدبابات لم تخرج تماماً من دائرة الصراع.
ولا يزال الشركاء في الغرب يراهنون على الدبابات ويواصلون شراء المزيد منها، لكنهم يتوقعون تغييرات في كيفية دعمها ونشرها.
ويرى المسؤولون أن الدبابات لا تزال تحتفظ بأهميتها، وإن كان دورها قد يشهد تحولاً؛ إذ سيتعين عليها العمل جنباً إلى جنب مع أصول أخرى، مثل المسيرات.













