#logo { margin-top: 10px !important; margin-bottom: 10px !important; }
مشاركات وترجمات

البيت المسكون في عيد الميلاد

بقلم:هناء الزريعي

أمنح عقلي مساحة لأُحاصر بأفكار بعيدة وقريبة جدا من شكي، فأقف على رؤوس أصابع همسي، فأتمتم بتلك الجملة القديمة والوارثة شرعا لضجيج الغياب،”البُعد يُعلم الجفاء”، فها أنا أغرق في بحر غيابه عني مجددا، وبالتوقيت العالمي للبعد.. الساعة الآن شوق وظن لعين تسلل لقلبي وسيطر على تفكيري.

 لم تترك لي الأيام شيئا لأفعله في آخر ليلي سوى جمرات تحرقني وتجعلني أدور حول نفسي، فعندما يصمت هاتفي عن عزف أغنيتنا المفضلة أو عندما أجد هاتفه مشغولا لفترات، أثور كبركان حقيقي.. أيها الغضب أرجوك من أجلي لا ضده لا تشتعل نيران الغيرة.. واترك قلبي الطري ينام وقبلته الماضية على خذي، ودع الحلم ينساب بيسر دون لوم  أو عتاب..فتطردني الغيرة البديهية من جوف النوم ويختار الشك طعني بسؤال: هل نسى ما بيننا؟! .

 فتستعير ذاكرتي صوته، فتقول على لسانه: يا حلوتي كم أحبك، فرغم تلك المسافات لا زلت أشتم عبير عطرك..

فأطرد الشك من دائرتي، وأدافع عن غيابه المجبر عليه..نعم لقد مررنا بأوقات صعبة، والحمد لله سيصبح لنا منزلنا الخاص بنا، وأخيرا بعد سنوات مريرة من العربة والبعد،   سينتهي عقد عمله في الخارج في نهاية الصيف المقبل، ليعود للوطن.

فأحرر شخصيات قصتي، من فواصلي لأختار لها من الأسماء..

تستسلم بطلتي للنوم على عتبة أغنية رومانسية، فيوقظها صباحا رنين هاتفها على آخر رنة، فكان المتصل أبو سمير صاحب مكتب بيع عقارات، وما هي إلا لحظات حتى تصلها منه رسالة.

– صباح الخير ست جيلان، لقيت إلكم بيت لقطة، صاحبة البيت بدها تسافر هجرة لعند زوجها بكندا، وهي مستعجلة على البيع، وفي ناس كثير شافت البيت، ونصيحة الكم حرام البيت يضيع منكم، الأسعار كل يوم بتزيد لذلك شوفي زوجك، وخبريه، وأنا حرسلك صور للبيت وباقي التفاصيل على الواتس، وإذا عجبك بتيجي تشوفيه، وتتأكدي من الأوراق إنها نظامية، بس أمانة ما تتأخري عليا بالرد، أنا ما بضمن يظل وما ينباع.

جيلان: أنا أتأخر..قال  أتأخر.. لو عليا  باجي بالبيجامة وبشوف البيت..رح أتصل على يوسف وأبلغه.. يا ربي ليه ما بترد يا يوسف على الواتس والفيس..رح حاول على الفايبر،  أخيرا..رديت..

يوسف بغضب: لشو كل هالاتصالات يا جيلان..انت عارفة إني بالشغل.. يا روحي عندي شغل،،عندي شغل..افهمي.

فأقاطعه وأخبره بتفاصيل رسالة السمسار أبو سمير.

يوسف: تمام  حبيبتي.. شوفي البيت، ولو على وصف وسعر أبو سمير..فمبروك علينا إن شاء الله..

وبعد شهر قضتها جيلان في استكمال إجراءات شراء الشقة، ونقل الأثاث للشقة الجديدة..  تستقر بالجلوس على كرسي هزاز في صالة شقتها لتكافئ نفسها بالهدوء ..

جيلان: آآآآآآه ..أخيرا صار عندنا بيت ملك، بدل الإيجار واستغلال أصحاب البيوت..يلا يا يوسف موعد اتصالك فات…

وفي انتظار الاتصال يستولي التعب والنعاس على جسد جيلان ..فيسلمان جسدها للنوم الثقيل دون أن يوقظها حتى رنين هاتفها..

وبعد مرور أسبوعين على انتقالها لهذه الشقة، لاحظت جيلان نظرات غير مفهومة أو حتى مبررة من قبل الجارات،، ولكنها بررت ذلك بتفسير واحد بأنها تسكن لوحدها..وذات يوم كانت خارجة من سوبر ماركت أسفل العمارة، استفزتها نظرات وهمسات مجموعة من النسوة، فاتجهت نحو إحدى السيدات ووجهت لها هذا السؤال:

جيلان: سمعتكن عم تتهامسوا على شقتي..خير إن شاء الله..شو صوت خطواتي بالشقة قالق منامكم..

الجارة: معقول  قبل ما تشتري الشقة ما عرفتي.. إنه صارت فيها جريمة قتل، وظلت مسكرة لسنة.

جيلان : بجد بتحكي أو عم تمزحي!!

الجارة: لشو أمزح معك..بعرفك شي..هالشقة انباعت مرتين وفالمرتين ما بيقعد فيها المشتري لشهر غير يعلن إن بده يبيعها، وسمسار هالحارة ماعنده ذمة بيلعب بعقل الشاري..وما بيخبره إن الشقة مسكونة ..بيظل يقوله شقة لقطة وسعرها مناسب وإن صاحبها مسافر ..

بعد أن أكملت جيلان حديثها مع الجارة..شعرت بالخوف حتى أنها لم تستطع الصعود للشقة..فتوجهت إلى الحديقة لتستجمع قواها..ولكي تتصل بيوسف وتخبره بما دار بينها وبين الجارة، لكن صوت ضحكته وسخريته كان مسموعا لمن يجلس بقربها في الحديقة..

يوسف: والله عليكِ حركات ياجيلان..ماعفريت إلا البني آدم..صلي على النبي، إلك إسبوعين ساكنة في الشقة.. صار شي توكلي على الله، واطلعي شقتك حاجتك لف في الشوارع..

جيلان: ما بمزح معك شو أرجع للشقة..لا يا روحي خايفه بعد اللي عرفته، بلكي يطلعلي القتيل.

يوسف: يا روحي أنت بتخوفي بلد..صلي على النبي..أنت عيني..وشطورة  يلا ارجعي للبيت..وأنا معك رح أتصل  فيكِ كل شوية..وأنت أختك مرة مرة بتنام معك بالشقة..

وبعد مرور شهرين من العيش بحذر في الشقة، حيث قيدت جيلان حركاتها وحصرتها بغرفة واحدة وبالقرب من باب الشقة..

ولأنها لم تنس بعد قصة القتيل في شقتها..عاشت جيلان رعبا في إحدى ليالي الشتاء الباردة..حيث كانت الرياح تعزف من أصوات أوراق الشجر المتذمر تحت نافذتها ليلا، أغنية أبطالها مصاصو دماء.

أحاول أن أختبئ من ذلك الخوف الطفولي في سريري، أتقلب وأتعثر بأرقي..فأقنع نفسي بالنهوض لشرب شي دافئ..حسنا يبدو إن السهرة اليوم طويلة ويوسف اليوم مختفي، ولن يستطيع محادثتي..سأُحضر كوبا من الكاكاو وأتناول قطعا من البسكويت،،فأشعلت التلفاز  لتغطي على صوت الرياح وأصبحت تقلب في المحطات.

 وبعد صد ورد بين جيلان ونفسها: برنامج فني..لا أنا بكره هالفنانة شو مغرورة وعاملة مية عملية تجميل..والسيد يوسف عديم النظر بيحكي عليها حلوة شو عجبو فيها مابعرف..أشوف قناة غيرها..ياحبيبي هذا اللي ناقص..فيلم رعب..أغير على هالقناة فيلم “أفواه وأرانب ” حلو هالفيلم القديم  لفاتن حمامة رح أحضره.

وعلى ذمة كل فاصل إعلاني..كانت جيلان تراقب جوالها لربما أرسل يوسف لها رسالة..فتعاتب زوجها غيابيا..

جيلان: على رأي كاظم الساهر من وين جيب إحساس للي ما يحس..أكيد ناسي الأستاذ بكرا شو بيطلع ..

وفجأة ودون سابق إنذار تنقطع الكهرباء..

جيلان: هذه أول مرة تقطع عليا في بيتي الجديد ..بس الغريب إن الشارع فيه ضي..ومن شوي سمعت صوت حركة مفاتيح في الباب..ياربي شو هالهلوسات..أروح أتخبى تحت اللحاف وخبي راسي تحته..في صوت خطوات في الصالة بنفس وقت رجعة الكهرباء.. استغفري ياجيلان..

ومع اقتراب صوت الخطوات من جيلان..بدأت بالصراخ دون أن ترفع الغطاء عن رأسها..فإذا بصوت يطلب منها السكوت رافعا الغطاء عن رأسها.

يوسف: مالك  حبيبتي .

جيلان: عفريت ..انصرف انصرف ..

يوسف: اسكتي خلص فضحتينا أهلك وأهلي برا بيستنوني أحكيلهم يطلعوا لفوق.

جيلان : شو فضحتك جاي فجأة ..وكمان تقطع الكهرباء  وانت عارف إني خايفة من الشقة  يا عمي قريب قلبي يوقف ..

يوسف: هاي غلطتي إني عامل مفاجأة إلك..ونزلت فجأة مشان احتفل بعيد ميلادك.. بدل ما تستقبليني بالأحضان والأشواق تصرخي وتقولي عفريت انصرف انصرف..فعلا ما بينفعك الدلع.. قومي غسلي وجهك وانت تقولي حاطة كركم عليه من الرعبة..ورايح أطلع أهلك.. جايبين تورتة وعشا للاحتفال.

جيلان وجهت ليوسف نظرات وتمتمت في سرها

جيلان: شو تمنيت لو فتحت رأسك بكاسة المية اللي قدامي..لكن  خفت وقتها تصير جريمة ثانية بالشقة وتصير فعلا مسكونة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ننتظر منك الكثير يا ابنتي .. إنها مفاجأة سارة جدا .. على أمل أن نرى مجموعتك القصصية قريبا .. لا تلتفي إلى الوراء إلا لأخذ العبرة والتعلم ..استمري.. إلى الأمام يا هناء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/opinyati/public_html/wp-includes/functions.php on line 4979

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/opinyati/public_html/wp-includes/functions.php on line 4979