إليهم ..؟! سياسيون رحالة

كتب/مثنى الردفاني
في زمن أصبحت فيه السياسة أقرب إلى عروض السيرك منها إلى فن إدارة الدول، ظهر لنا نوع جديد من الكائنات. سياسيون رحالة. هؤلاء ليسوا سياسيين بالمعنى التقليدي، ولا هم مفكرون، ولا حتى هواة جدل محترمين . بل هم مسافرون دائمون بين المواقف، يتنقلون بخفة لاعب أكروبات من فكرة إلى نقيضها دون أن يطرف لهم جفن.
السياسيون الرحالة لا يحملون حقائب، بل يحملون شعارات قابلة للطي. شعار اليوم يمكن أن يصبح خيانة الغد، وخيانة الأمس قد تتحول إلى موقف وطني شجاع إذا تغير اتجاه الريح. هم خبراء في قراءة البوصلة، ليس بوصلة المبادئ طبعا، بل بوصلة المصالح، تلك التي تدور بسرعة مروحة في يوم صيفي قائظ.
حيث يتنقلون من مكان إلى آخر بحثا عن المال ، كأنهم في سباق مفتوح لا خط نهاية له. لا يحملون معهم خرائط وطنية ولا ذاكرة موقف، بل يحملون حاسبة دقيقة تقاس بها كل خطوة بميزان الربح والخسارة. لا ثوابت لديهم إلا القابلية للتبدل، ولا ولاء إلا لما يلمع. أما الوطن، فليس عندهم أرض ولا قضية. بل عملة. وطنهم الثابت هو الدرهم والريال ، وإن تغير سعر الصرف، تغير معه الانتماء.
الغريب في الأمر أن هذا النوع من السياسيين لا يرى في تناقضه مشكلة، بل يعتبره مرونة استراتيجية . فإن سألته كيف كنت بالأمس ضد هذا القرار وأصبحت اليوم من أشد المدافعين عنه، سيبتسم بثقة ويجيبك .الظروف تغيرت. وكأن الظروف كائن أسطوري يقتحم المكاتب ليلا ويعيد كتابة القناعات على عجل.
أما خطابهم، فهو تحفة فنية قائمة بذاتها. جمل مطاطية تصلح لكل زمان ومكان . نحن مع مصلحة الشعب، المرحلة تتطلب حكمة ، لا بد من التوازن . كلمات واسعة لدرجة أنك لو أدخلت فيها فيل سياسي لما لاحظه أحد. إنها لغة صممت خصيصا لتقول كل شيء… ولا تقول شيئا.
السياسي الرحال لا يخاف من السقوط، لأنه ببساطة لا يقف على أرض صلبة أصلا. هو دائم الحركة، دائم التبدل، مثل سحابة سياسية عابرة لا تمطر إلا وعودا. وإن حدث وسقط، فسيجد طريقة ليقنعك أن السقوط كان قفزة تكتيكية نحو الأمام.
لكن، وربما هذه هي المفارقة الأكثر إثارة للسخرية، أن الجمهور يعرف. نعم، يعرف جيدا هذه اللعبة، يحفظ تفاصيلها، بل ويتوقع الفصل القادم منها. ومع ذلك، تستمر المسرحية، ويستمر السياسيون الرحالة في أداء أدوارهم، لأن الجمهور في لحظة ضعف أو تعب قد يصفق أحيانا، أو على الأقل لا يغادر القاعة.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في السياسي الرحال نفسه، بل في البيئة التي تسمح له بالترحال دون مساءلة، وتكافئه أحيانا على مهاراته البهلوانية. فحين تصبح السياسة بلا ذاكرة، يتحول التناقض إلى مهارة، والانتهازية إلى ذكاء، ويصبح الرحيل من موقف إلى آخر مجرد رحلة عمل.
وهكذا، يستمر العرض تبا لكم يا اوغاد .. ؟!













