الانتخابات … لا مكان إلا لمن يستحق
حيدر العيلة –
غزة – فلسطين
أتمنى أن تدخل الفصائل الفلسطينية الانتخابات التشريعية القادمة منفردة؛ لا رغبة في إسقاط أحد أو تصفية حساب مع أحد، وإنما حتى يعرف كل فصيل حجمه الحقيقي في الشارع الفلسطيني.
أود أن يذهب كل فصيل إلى الناس ببرنامجه وتاريخه وقياداته، وأن يقدم للشعب كشف حسابه، وعندها تقول صناديق الاقتراع كلمتها.
من ينجح يستحق أن يكون حاضراً، ومن يتراجع عليه أن يراجع تجربته، ومن لا يتجاوز نسبة الحسم عليه أن يمتلك شجاعة الاعتراف بأن تجربته لم تعد تحظى بما يكفي من التأييد الشعبي، وأن يبحث عن طريق آخر لخدمة شعبه.
فلا يعقل أن تبقى الساحة الفلسطينية مزدحمة بهذا العدد الكبير من الفصائل والتنظيمات، بينما يعاني شعبنا من الانقسام والتشرذم وأزمة التمثيل.
إن الواقعية السياسية تفرض على القوى التقدمية أن تبحث عن صيغة مختلفة: ائتلاف يجمع مكونات الأحزاب والقوى الديمقراطية والتقدمية، لكسر ثنائية هيمنة القطبين على المشهد السياسي الفلسطيني.
لكنني لا أدعو إلى ائتلاف انتخابي انتهازي، من تنظيمات هامشية تعيش على الارتزاق من هذا القطب أو ذاك، إئتلاف هدفه جمع أكبر عدد من المقاعد وإخفاء الأحجام الحقيقية للقوى المشاركة، ولا إلى تحالفات موسمية تُبنى على المحاصصة وتبادل المصالح وتقاسم المقاعد.
أدعو إلى ائتلاف سياسي وطني ديمقراطي حقيقي؛ ائتلاف يجمع القوى التي تتفق على مشروع سياسي واجتماعي واضح، وتؤمن بالديمقراطية والتعددية وسيادة القانون واستقلال المؤسسات، وترفض احتكار الوطنية أو اختزال الشعب الفلسطيني في ثنائية القطبين.
ائتلاف لا يكون مجرد جمع أصوات في يوم الانتخابات، بل مشروعاً سياسياً ثالثاً قادراً على أن يقول للشعب الفلسطيني: هناك طريق آخر غير ثنائية الانقسام، وهناك فلسطين أوسع وأكبر من الجميع، وهناك قوى قادرة على أن تتوحد حين تكون المصلحة الوطنية أكبر من المصالح الفصائلية.
أدعو إلى ائتلاف يجمع القوى التي تؤمن بالديمقراطية، والتعددية، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والوحدة الوطنية، وحق الشعب في اختيار قياداته ومحاسبتها.
ائتلاف لا يضيف فصيلاً جديداً إلى قائمة الفصائل، بل يفتح طريقاً جديداً أمام الفلسطينيين للخروج من ثنائية الانقسام.
فلسطين أكبر من فصيلين، والشعب الفلسطيني أكثر تنوعاً من أن يُختزل في طرفي معادلة أضرت بالقضية وبالشعب.
نحن بحاجة إلى خيار وطني ديمقراطي ثالث؛ لا يقوم على الإقصاء أو التخوين أو احتكار الوطنية، وإنما على الشراكة والمنافسة الديمقراطية.
ولهذا، فإن تجميع أصحاب المشروع الوطني الديمقراطي في ائتلاف واحد يجب ألا يكون وسيلة لإخفاء ضعف أحد، بل وسيلة لتجميع قوة الجميع.
فالانتخابات يجب أن تعيد ترتيب المشهد، لا أن تعيد إنتاجه.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الفصائل التي تتكاثر بالانقسام، بل إلى قوى سياسية تتكاثر بالإنجاز.
ولسنا بحاجة إلى قيادات تبحث عن مقعد، بل إلى قيادات تبحث عن مسؤولية.
ولسنا بحاجة إلى ائتلافات تُصنع فوق الطاولة لتوزيع المقاعد، بل إلى ائتلاف وطني ديمقراطي يُبنى من القاعدة الشعبية، ومن البرامج الواضحة، ومن الإيمان بأن المسؤولية ليست غنيمة، وأن المقعد ليس هدفاً في ذاته.
لقد دفع شعبنا ثمن الانقسام والحروب بما يكفي، ولم يعد يحتمل إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأسماء جديدة.
لذلك، يجب أن تكون الانتخابات فرصة لفرز حقيقي، لا مجرد مناسبة لإعادة تدوير الوجوه والتحالفات.
وما نحتاجه اليوم ليس أن يبقى الجميع في المشهد، وإنما أن يبقى في المشهد من يستحق أن يكون فيه.
هذه هي الديمقراطية التي نحتاجها، وهذا هو الائتلاف الذي يستحقه شعبنا.













