في موسم الانتخابات التشريعية.. من يستطيع الضغط على نتنياهو؟

سليم الزريعي
ربما يرى البعض، أن التوصل لاتفاق على وثيقة ال15 بندا، بين حماس والضامنين وممثل مجلس السلام العالمي في غزة، هو إنجاز يستحق الإشادة به، كما فعل الرئيس الأمريكي ترمب الذي اعتبره انجازا تاريخيا.
لكن هذا الاحتفاء المتسرع، من الواضح أنه يعكس رغبات ذاتية أكثر منها تعبيرا عن واقع موضوعي، كون الاتفاق وبكل ما رافقه من عصف إنما جرى بين حماس والضامنين قطر، وتركيا ومصر، أي أن هذا العصف كان يدور ببن رعاة حماس قطر وتركيا، وأيضا مصر بسبب من شرط الجغرافيا، فيما من يمارس العدوان، والطرف الثاني الأساسي في معادلة تنفيذ استحقاق خريطة طريق ترمب بنقاطها العشرين هو الكيان الصهيوني، الذي مارس حرب الإبادة على أهل غزة، أولا لأنه هو من قام بالاعتداء، وفي كونه هو القوة القائمة بالاحتلال في غزة، وثانيا لأنه يسيطر فعليا على 65% من مساحة القطاع. ومن الطبيعي أن يكون هو الطرف الذي يجب عليه وفق خريطة ترمب، أن يفي بالتزاماته وفق البنود العشرين كمرجع قانوني وعملي لكل ما يجري.
وكون الكيان الصهيوني، ليس طرفا في وثيقة حماس والضامنين وملادينوف، مفوض مجلس السلام في غزة، فإن هناك شكوكا حول مدى واقعية هذا الاحتفاء المتسرع ليس بسبب موافقة حماس التخلي عن سلاحها، وفق ما توصل إليه الضامنون مع حماس، وإنما لأن نتنياهو وفريقه يريد سلاح حماس خارج القطاع، بعد أن أصبح ورقة انتخابية كل يتناولها وفق مصالحة، لا سيما في هذا الوقت تحديدا فيما يستعد الكيان لإجراء انتخابات تشريعية، وسط تنافس شديد بين القوى الصهيونية بمختلف مسمياتها، وهذا المعطى هو وصفة ليس للتشدد فقط، ولكنه موسم لبازار انتخابي يتنافس فيه الجميع على إعلان أقصى التشدد تجاه مستقبل غزة خاصة، وفلسطين عامة؛ وحتى وجود حماس في ذاته.
وهذا يجري في ظل أريحية أمنية لدى الكيان، الذي يستمر بشكل يومي في استهداف أهل غزة وعناصر حماس، دون أن تطلق رصاصة على قواته، التي زادت مساحة احتلالها في غزة من 53% عند الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار العام الماضي، إلى 65% حاليا. ليكون السؤال من الذي سيجبر الكيان الصهيوني على تنفيذ رؤية حماس والضامنين في الوثيقة الأخيرة؟
ولأن الضامنين ليس في مقدرتهم، أن يفرضوا على الكيان الصهيوني الالتزام بمخرجات وثيقتهم مع حماس، تعول حماس وغيرها على أن يلزم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الكيان على قبول الوثيقة ذات النقاط ال15.
لكن السؤال.. هل يستطيع ترمب، في ظل الحرب المفتوحة على إيران، ليس لأنه سيكون في حاجة إلى حليفه الأول. والأهم في المنطقة بنيامين نتنيانو، إذا ما قرر الشروع في حملة جديدة على طهران، وإنما لأن هناك بعد شهرين ونصف انتخابات تشريعية في الكيان الصهيوني، رأس نتنياهو نفسه هو المستهدف الأول فيها من قبل المعارضة، فهل يستطيع ترمب والحال هذه، أن يلزم نتنياهو قبول ما اتفق عليه الضامنون مع حماس، ويقدم لخصومة ورقة، لنحره سياسيا؟
ثم ماذا يمكن أن يفعل ترمب إذا لم يوافق الكيان بشكل صريح على الوثيقة، لبدء تنفيذ المرحلة الثانية، من خطة خريطة الطريق الترامبية ذات ال20 بندا؟ إن أقصى ما يمكن أن يفعله ترمب، وفق مسؤول أميركي كبير من أن عدم التزام إسرائيل بالاتفاق سيصيب ترمب بـ”خيبة أمل كبيرة”.
فقط خيبة أمل كبيرة.. لكن كيف يمكن صرف هذه الخيبة لدى الأطراف المعنية،؟ في ظل أن الكيان هو اللاعب الأكثر قدرة على الفعل من غيره.
المفارقة أنه في الوقت الذي يجري تناول وسائل الإعلام الاتفاق كعنوان رئيسي في الأخبار، وسط تفاؤل بالشروع في المرحلة الثانية من اتفاق السلام، كانت الطائرات الصهيونية تستهدف أهل غزة، ولسان حال العدو يقول أنا لست في عجلة من أمري للموافقة على اتفاقكم طالما أن لدي القوة لتنفيذ ما أريد.. وأنه لا توجد روادع من أي نوع، سواء كانت فلسطينية أو عربية أو دولية تمنعني من ذلك..
ويبدو واضحا من سلوك الكيان الصهيوني أنه مستمر في ابتزازه، فيما هو يستفيد من الواقع الذي فرضه في غزة والضفة ولبنان وسوريا، في حين أن التعلل بنزع كامل لسلاح حماس، ليس إلا ذريعة، لا سيما بعد أن أخرجتها من التداول كذريعة الطريقة التي ستتعامل بها لجنة ٱدارة غزة مع سلاح حماس، حيث اتفق حسب مصدر في مجلس السلام. على أن الأسلحة الثقيلة ستنقل إلى مستودعات اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وسيجري إبطال فعاليتها، وهذا يعني أنها لن تبقى صالحة للاستخدام، وإنما ستُفكك بحيث تتحول إلى قطع معدنية، على أن تخضع المستودعات لسيطرة شرطة تابعة للجنة الوطنية، وهذه الشرطة بدورها سيخضع أفرادها لتدقيق أمني إسرائيلي من قبل “الشاباك”، فيما تتولى قوة متعددة الجنسيات مهمة الرقابة. ومع ذلك يستمر الهتاف بالنصر الذي تحقق، أي تخزين السلاح ليصبح “خردة”، عوض مصطلح نزع السلاح!
وللأسف كل ذلك، يدور في غياب مشروع وطني فلسطيني جامع، وعوض البحث في طي صفحة الانقلاب والانقسام والتباين السياسي، والتوجه نحو وحدة وطنية تراعي مصلحة الشعب الفلسطيني الذي دفع ثمنا باهظا نتيجة انقلاب حماس عام 2007، لكن يبدو أن هناك من لم يتعلم من درس محرقة غزة، وما يجري في الضفة، وإنما يتسلل من خلف ظهر الجميع، ويصادر حق المجموع الفلسطيني، بأن يرسل وفق مصادر ٱعلامية، رسالة إلى الرئيس الأمريكي يبدي فيها استعداده لهدنة طويلة من 15 إلى 20 عاما، متجاهلا الكارثة التي يعيشها الفلسطينيين بعد أكتوبر 2023، والسؤال عندها لم الآن ولم تكن قبل ذلك؟ وهل هذا الاقتراح يخص حماس،؟ وهل تحالفها الفصائلي جزء منه؟ وإذا كان كذلك بأي صفة ترسل هذا المقترح، فيما هي ستغادر المشهد كما جاء في خطة ترمب وبموافقتها، سيما وأنه لن تكون لها أي صفة لا واقعية، ولا قانونية ولا سياسية أو عسكرية، وفق خطة ترامب في المشهد الغزي؟ ثم أليست رام الله مع كل الملاحظات الثقيلة على أداء السلطة وفتح، هي الأقرب من واشنطن؟ ثم ألم يحن الوقت لتقييم أداء كل القوى، لأنه من غير المبرر فكريا وسياسيا، أن لا نسمع اي قوة فلسطينية ممن جلبت الويلات على شعبنا، قد مارست فضيلة النقد عبر المراجعة لتجربتها السياسية والعسكرية والجماهيرية في الواقع الفلسطيني، بل إنه يجري تسويق الوصاية وفق خطة ترمب على غزة ، بأنها انتصار.
لكن لسوء حظ الشعب الفلسطيني أنه ما يزال حتى الآن، مبتلى بمثل هذه القوى.. ودون استثناء.













