إسرائيل تعزز «الخط الأصفر» بـ«ساتر ترابي».. غزة مهددة بـ«تقسيم دائم»

كشفت صور أقمار صناعية حللتها وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية، عن تسارع أعمال إنشاء سواتر ترابية ضخمة داخل قطاع غزة.
المشروع الهندسي يمتد من شمال قطاع غزة إلى جنوبه ويعيد تشكيل المشهد الجغرافي على الأرض.
ويستهدف المشروع، بحسب الجيش الإسرائيلي، ترسيم ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو الخط الذي تمركزت عنده القوات الإسرائيلية عقب اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ليصبح حدًا فاصلًا بين مناطق انتشار القوات الإسرائيلية والمناطق التي لا تزال تضم الكثافة السكانية الفلسطينية.
وأكد الجيش الإسرائيلي أنه أنشأ بمحاذاة هذا الخط منطقة أمنية مزودة بمنظومات مراقبة واستخبارات وتقنيات استشعار متطورة، بهدف منع أي محاولات تسلل وحماية القوات الإسرائيلية والمستوطنات القريبة من القطاع.
إلا أنه امتنع عن الكشف عن المسار الكامل للجدار أو الحدود النهائية للمشروع، مكتفيًا بالإشارة إلى أن العمل يهدف إلى تحديد الخط الفاصل بوضوح لتقليل الاحتكاك ومنع تعرض المدنيين غير المشاركين في القتال للخطر.
دمار واسع وتغيير في الجغرافيا السكانية
وتكشف صور الأقمار الصناعية أن المناطق الواقعة شرق “الخط الأصفر” شهدت عمليات تدمير واسعة غيّرت ملامحها بالكامل.
إذ أزيلت أحياء ومبانٍ سكنية ومنشآت مدنية بواسطة الجرافات والآليات العسكرية، فيما تعرضت مدينة رفح، التي كانت تضم أكثر من ربع مليون نسمة قبل الحرب، لدمار واسع، إلى جانب بلدات ومناطق أخرى اختفت معالمها لتحل محلها طرق عسكرية ومواقع انتشار جديدة للقوات الإسرائيلية.
ويقول الجيش الإسرائيلي إن هذه العمليات تستهدف إزالة البنية التحتية العسكرية التي استخدمتها حركة حماس، إلا أن النتيجة على الأرض تمثلت في نزوح أعداد كبيرة من السكان نحو المناطق الغربية والساحلية، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في مخيمات مؤقتة تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية وسط أوضاع معيشية وإنسانية بالغة الصعوبة.
وتشير بيانات الصور الفضائية إلى أن أعمال البناء تتسارع بشكل خاص في جنوب القطاع، إذ توسع أحد مقاطع الساتر الترابي في رفح من نحو 500 متر مطلع يوليو/ تموز إلى أكثر من 2.4 كيلومتر خلال أسبوعين فقط، ليربط بين أنقاض المدينة ومنطقة المواصي التي تضم واحدة من أكبر تجمعات النازحين الفلسطينيين.
وفي حال استمرت وتيرة الإنشاء الحالية، فسيتصل هذا الجزء بأطول مقطع للجدار، الذي يمتد لنحو 17 كيلومترًا بين خان يونس ومحيط مدينة غزة، بما يشكل شريطًا أمنيًا متصلًا عبر أجزاء واسعة من القطاع.
مخاوف من تكريس تقسيم دائم
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار التوترات الأمنية على طول الخط الفاصل. فمنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تشير بيانات إسرائيلية إلى مقتل أكثر من 1100 فلسطيني، معظمهم في غارات جوية أو هجمات بطائرات مسيرة استهدفت ما تقول إسرائيل إنها عناصر مسلحة.
إلا أن تقارير ميدانية تحدثت أيضًا عن سقوط مدنيين أثناء اقترابهم من المنطقة الفاصلة، بعدما اعتبرتهم القوات الإسرائيلية مصدر تهديد محتمل، في ظل تعليمات أمنية صارمة تمنع الاقتراب من الخط الجديد.
وفي المقابل، لا تزال الرؤية السياسية المتعلقة بمستقبل هذا المشروع غير واضحة، إذ لم تصدر توضيحات رسمية من الجهات الدولية المعنية بمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار بشأن طبيعة الساتر الترابي أو مصيره بعد انتهاء العمليات العسكرية. كما لم تُعلن أي ترتيبات تتعلق بآلية إدارة هذه المنطقة أو مستقبلها في إطار أي تسوية سياسية محتملة.
ويثير هذا الواقع مخاوف متزايدة لدى الفلسطينيين من أن يتحول “الخط الأصفر” من إجراء أمني مؤقت إلى حدود فعلية تفصل أجزاء القطاع عن بعضها، بما يكرس واقعًا جديدًا يصعب تغييره مستقبلًا، ويحد من إمكانية عودة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم الأصلية.
ويرى مراقبون أن استمرار إنشاء التحصينات وتوسيعها، بالتزامن مع إعادة تشكيل البنية التحتية في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، قد يحمل أبعادًا تتجاوز الاعتبارات الأمنية الآنية، ليؤثر في مستقبل غزة الجغرافي والسياسي.














