لماذا تعتبر إسرائيل السيطرة على قلعة الشقيف في لبنان إنجازا؟

تُعتبر قلعة الشقيف في لبنان معلماً تاريخياً بارزاً، ولكنها على مدى عقود كانت مسرحاً للقتال، وتعود إلى الواجهة اليوم.
فمع انطلاق حرب لبنان عام 1982، احتل الجيش الإسرائيلي هذه القلعة للمرة الأولى بعد مواجهات أسفرت عن مقتل عدد من المسلحين التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية في 6 يونيو/حزيران 1982. وجاء الاحتلال بعد قصف جوي عنيف، ثم استخدمها الجيش الإسرائيلي عقب السيطرة عليها مركزاً عسكرياً. ولولا تدخل منظمة “اليونسكو” العالمية لكان الجيش الإسرائيلي قد دمر القلعة آنذاك، بداعي وجود خندق فيها كان قد حفره الصليبيون.
القلعة التاريخية بناها الرومان، ووسع الصليبيون أبنيتها، فيما رممها الأمير فخر الدين المعني الثاني. وهي مبنية على صخر شاهق يُشرف على نهر الليطاني وسهل مرجعيون ومنطقة النبطية من جهة أخرى، لكن هندستها التي تلتوي مع الجبل، وجدرانها المشيدة بالصخور المحلية تجعلها تبدو كأنها “مخبأة” بين حنايا الصخور، في حين يُرى معلمها من مسافات بعيدة. وتُعرف القلعة في المراجع التاريخية باسم قلعة “بوفور”؛ أي الحصن الجميل.
تغيير في التكتيك الحربي
واليوم الأحد، أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة على المنطقة. وبررت هيئة البث الإسرائيلية هذه الخطوة بأنها استهداف لـ”مناطق استخدمتها العناصر المسلحة بتوجيه إيراني لإدارة العمليات القتالية، وتوجيه ضربات نحو الأراضي الخاضعة للسيادة الإسرائيلية، بما في ذلك إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة المفخخة”.
ونقلت الهيئة عن مصادر في الجيش الإسرائيلي إن “السيطرة على هذه المواقع الحيوية تمت بعد اشتباكات ميدانية، حيث تم الاعتماد على غطاء ناري مكثف من الجو والبر، واستخدام تكتيكات عسكرية مبتكرة تمثلت في اختراق محاور جديدة عبر نهر الليطاني والتقدم نحو التلال من الجهة الغربية، وذلك بدلاً من المسارات التقليدية”.
وقالت: “هذا التغيير في التكتيك جاء بعد مراجعة دقيقة لخطط سابقة؛ حيث كُلفت الفرقة 36 بإعادة صياغة العمليات العسكرية لضمان فاعليتها، بعد أن واجهت محاولات سابقة صعوبات ميدانية”.
وأضافت: “تشير التقارير الميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي تمكن من إنشاء خمسة جسور على الأقل فوق نهر الليطاني، مما سمح بمرور قوات كبيرة وآليات هندسية لشق طرق وسط التضاريس الوعرة، وصولاً إلى منطقة يحمر ومحيط النبطية”.
وتابعت: “تأتي هذه التطورات أثناء سير العمليات وتأثيرها على استقرار المنطقة، وسط تأكيدات رسمية بأن الهدف الاستراتيجي يظل تقويض قدرات التنظيم المسلح وتطهير المناطق التي كانت تشكل تهديداً مباشراً لبلدات شمالي البلاد، لا سيما بعد صدور تعليمات إخلاء للسكان في القرى اللبنانية المتاخمة لمناطق الاشتباك، لضمان سلامتهم ولتسهيل المهام العسكرية الجارية في تلك القطاعات الاستراتيجية الهامة”.
شقيف مرحلة حاسمة
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان الأحد “الليلة الماضية، استولى مقاتلونا الأبطال على قلعة بوفور. ورفعوا بفخر علم دولة إسرائيل وعلم لواء جولاني هناك”.
وأضاف “أذكركم أنه قبل 44 عامًا، كان هذا المكان رمزًا لمعركة بطولية خاضها جنودنا، ولكنه كان أيضًا رمزًا لانقسام عميق بيننا.. اليوم، عدنا إلى بوفور بشكل مختلف. عدنا متحدين، عازمين، وأقوى من أي وقت مضى”.
وتابع نتنياهو: “أصدرتُ تعليماتي للجيش الإسرائيلي بتوسيع التوغل في لبنان. لقد عبرت قواتنا نهر الليطاني، وسيطرت على مواقع استراتيجية، واستولت على مرتفعات بوفور. والآن، تعليماتي هي تعزيز وتوسيع سيطرتنا على المناطق التي كانت تحت سيطرة حزب الله”.
وشدد على أن “الاستيلاء على بوفور يمثل مرحلةً حاسمةً وتغييرًا جذريًا في سياستنا. لقد كسرنا حاجز الخوف، ونأخذ زمام المبادرة، ونعمل على جميع الجبهات – في سوريا، وفي غزة، وفي لبنان؛ وقد أنشأنا مناطق أمنية خارج حدودنا لحماية مجتمعاتنا.. سيستغرق الأمر وقتًا، لكننا سننجز المهمة”.
توسيع العمليات
واعتبر المحلل العسكري في موقع “واللا” الإخباري، أمير بوحبوط، أنه بهذه الخطوة “تم تسجيل تطور مهم عندما عبرت القوات العسكرية نهر الليطاني ووسعت القتال إلى ضفته الشمالية”.
وقال بوحبوط: “خلال هذه الساعات، يتوسع النشاط إلى مناطق أخرى، ويقترب الجنود من مدينة النبطية التي تُعد واحدة من أبرز مراكز السلطة السياسية والعسكرية لحزب الله في جنوب لبنان. وتشير مصادر عسكرية إلى أن القوات على الأرض مستعدة لتكثيف الهجوم قدر الإمكان لتفكيك البنية التحتية للمنظمة بالكامل”.
الأهمية العسكرية
وأشار إلى أن “العملية الحالية في بوفور (قلعة الشقيف) هي مرحلة أخرى في القتال المستمر خلال الأسابيع الأخيرة في لبنان، والذي يهدف إلى توسيع منطقة أمنية عبر الحدود الإسرائيلية”.
وقال: “الاستيلاء على الهدف الطبوغرافي فوق نهر الليطاني ليس إنجازاً رمزياً فحسب، بل هو خطوة تغير توازن القوى؛ فالسيطرة على بوفور تمنح الاستخبارات تفوقاً، وتقطع طرق إمداد حزب الله، وتشكل نقطة انطلاق محتملة للمناورات الأعمق”.
وأضاف: “خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية، أكملت الفرقة 36، بمساعدة القوات الجوية ومديرية الاستخبارات، الاختراق إلى منطقة بوفور وهي الآن متحصنة فيها، بعد تفعيل عدد من فرق القتال اللوائية المصممة لإحباط أي محاولة لإيقاف المناورة من الأرض أو الجو”.
وتابع: “تحظى الحركة العسكرية بأهمية استراتيجية وتكتيكية حاسمة في القطاع الجنوبي اللبناني؛ حيث تقع القلعة على ارتفاع حوالي 710 أمتار فوق مستوى سطح البحر، وتهيمن على نهر الليطاني، وتشكل نقطة طبوغرافية رئيسية تسيطر على مساحة واسعة من الأراضي”.
وأردف بوحبوط: “يخلق الاستيلاء على منطقة بوفور تفوقاً بصرياً وإلكترونياً مطلقاً على النبطية والمحاور الرئيسية في جنوب لبنان. ستتيح القدرة على إنشاء نقاط مراقبة متقدمة تحديد تحركات العدو وإغلاق دوائر النيران السريعة باستخدام المدفعية أو الطائرات بدون طيار أو القوات الجوية، والأهم من ذلك، أن الوجود العسكري في المنطقة يقطع فعلياً المحاور الاستراتيجية المؤدية من شمال لبنان، ومنطقة الليطاني، ووادي البقاع جنوباً”.
واعتبر بوحبوط أن “هذا الفصل يعطل بشدة قدرة العدو على توفير التعزيزات والذخيرة والإمدادات للقوات التي تحاول الوصول إلى الحدود، وعلى المدى الطويل يمثل ركيزة مركزية في إبعاد حزب الله عن البلدات الإسرائيلية”. وقال: “من منظور نظامي، قد يكون تحصين القوات في بوفور قاعدة متقدمة للمناورة بشكل أعمق في شمال لبنان أو شرقه في المستقبل”.
أربعة أهداف للعملية.. ولكن
من جهته، قال الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تامير هايمن: “تكتيكياً، تُعد سلسلة بوفور بالفعل منطقة مهيمنة ومهمة، والأهمية التي يمنحها حزب الله لها تمنحها أيضاً قيمة رمزية واستراتيجية. لكن يبرز السؤال: ما الهدف الاستراتيجي من توسيع العملية؟”.
وأشار هايمن، في مقال نشره على موقع القناة الإخبارية 12 الإسرائيلية، إلى أنه يبدو أن هناك أربعة أهداف لهذه العملية مع تسجيل بعض الملاحظات:
وقال: “أولاً، احتلال منطقة أُطلقت منها طائرات بدون طيار متفجرة، وتوجيه النيران نحو قواتنا: هذا صحيح، لكن يجب ملاحظة أن إطلاق الصواريخ يتم من مناطق كثيرة أخرى، ولن يزيل هذا الاحتلال التهديد تماماً”.
وأضاف: “ثانياً، الضغط على دولة لبنان لتعميق الخلاف بين الدولة والمنظمة (حزب الله) بطريقة تدعم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي تُجرى في واشنطن: هذا صحيح أيضاً، لكن هناك بعداً يعيق المحادثات؛ إذ أثناء إجرائها، تتعرض الحكومة اللبنانية للإحراج أمام مواطنيها في وجه الضغط العسكري الإسرائيلي”.
وتابع: “ثالثاً، الضغط على إيران لتكون مرنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة: تريد إيران تضمين وقف إطلاق النار في لبنان كجزء من اتفاق التفاهم مع الولايات المتحدة (والذي هو بالفعل في المرحلة الأولى). حقيقة أن حزب الله يخسر أصوله، ووضعه في لبنان يتدهور مع مرور الوقت، قد يخلق عنصراً من الإلحاح لدى إيران. المشكلة هي أن إسرائيل تربط الساحات من خلال ذلك، وهو ما يتعارض مع موقفها المبدئي بأن الملف اللبناني منفصل عن الملف الإيراني”.
وأردف هايمن: “رابعاً، رد من الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي على الانتقادات الداخلية لعدم الاستجابة لأفعال حزب الله واستمرار إطلاق النار على الشمال، والغضب والإحباط الذي يضع رؤساء السلطات المحلية وسكان الشمال في ضيق حقيقي. هذا ضيق يتطلب إجراءً، ونظراً لأن إسرائيل محدودة في ردها بالنار، فإن الرد السريع هو الحل الوحيد المتاح”.
وأشار هايمن إلى أنه “يبدو أن الحقيقة تكمن في العلاقة بين كل هذه الأغراض، لكن ليس جميعها يقدم حلاً طويل الأمد لمشكلة حزب الله. حتى غزو النبطية بأكملها، ومدينة صور، والمنطقة بأكملها حتى الليطاني لن يهزم التنظيم؛ إذ تقع مراكز ثقله في بعلبك وبيروت، وتنتشر قدراته على إطلاق الصواريخ بعيدة المدى في جميع أنحاء لبنان. أما بالنسبة للطائرات بدون طيار المتفجرة، فحيثما وجد تجمع سكاني، وُجدت إمكانية لإنتاج وإطلاق طائرات بدون طيار قاتلة”.
ماذا بشأن الانتخابات الإسرائيلية؟
واعتبر هايمن أن المشكلة تبدأ بعد الاستيلاء على الأرض، وقال: “الانسحاب منها قبل الانتخابات في إسرائيل ليس واقعياً؛ فمن الصعب رؤية الحكومة الإسرائيلية تنسحب من لبنان مقابل اتفاق تفاهم مع الحكومة اللبنانية الضعيفة. وبعبارة أخرى، الأراضي المحتلة هي أصل تكتيكي على المدى القصير، لكنها عبء تشغيلي على المدى الطويل. ما لم يتم التوصل إلى اتفاق مقابل تفكيك حزب الله من خلال قوة أمريكية تساعد الجيش اللبناني وتحت إشراف دولي، فإن الجيش الإسرائيلي سيتراجع”.
واستدرك: “من الصعب تصديق أن مثل هذا الاتفاق سيتم التوصل إليه في أي وقت قريب؛ فالرئيس الأمريكي مستثمر بالكامل في الحملة بشأن إيران، والانتخابات النصفية، وأفكار وخطط تغيير النظام في كوبا، ولذا فإن لبنان متأخر كثيراً في قائمة أولوياته”.
وقال هايمن: “يجب أن تُجرى الحملة في لبنان ضمن إطار استراتيجي يحدد كيفية نزع سلاح حزب الله. هذه عملية طويلة، وتشمل الاستعداد للانسحاب من لبنان مقابل عملية سياسية موثوقة. يجب أن يتم توسيع المناورة فقط كنتيجة لهذا الاعتبار، مع الأخذ في الحسبان العبء المتوقع على جنود الجيش الإسرائيلي وقوات الاحتياط. يجب تحسين الرد لتهديد الطائرات المسيرة، ويجب استثمار الأموال في إعادة إعمار الشمال (شمال إسرائيل)، ويجب أن نتجنب الانجرار عميقاً في الأراضي اللبنانية لأغراض غير عملية”.
وأضاف الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية: “يجب أيضاً أن تُقال الحقيقة للجمهور: نزع سلاح حزب الله لن يتم إلا من خلال مزيج من العمل السياسي والجهد العسكري. سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً، وحتى ذلك لن يقضي تماماً على تهديد حزب الله. طالما أن النظام الإيراني قائم، ويرى وجود المنظمة كمصلحة إيرانية حيوية، ستستمر إيران في خلق تهديد لإسرائيل في الساحة الشمالية”.















