عرّاب تحالفات «العمال» البريطاني.. ميليباند في سباق «الحقيبة الكبرى»

يوشك إد ميليباند وزير الطاقة البريطاني على اكتشاف ما إذا كان بإمكانه شق طريقه إلى منصب وزاري أكبر.
وبعد أكثر من عقد على خسارته انتخابات عام 2015 عندما كان زعيمًا لحزب العمال، يسعى وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند لاستعادة مكانته السياسية.
ووفقا لتحليل نشرته مجلة “بوليتيكو”، فإن ميليباند لعب دورًا مهمًا خلف الكواليس في دعم عودة بورنهام إلى السياسة الوطنية منذ أوائل عام 2026، حيث كثف الاتصالات معه وشجع علنًا على عودته إلى البرلمان.
وأشار التحليل إلى تقارير صحفية ذكرت أن ميليباند كان أول وزير في حكومة رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر يدعو سرًا إلى وضع جدول زمني لتنحي زعيم حزب العمال وهو ما يعكس اقتناعه بأن مرحلة ستارمر تقترب من نهايتها.
ويرى بعض المقربين من ميليباند أنه كان “العراب” الحقيقي لعودة بورنهام، وهو ما جعله أحد أبرز صانعي التحالفات داخل حزب العمال.
ورغم هذا النفوذ، لا يزال ميليباند شخصية مثيرة للانقسام داخل السياسة البريطانية فقد أثارت سياساته البيئية، وخاصة التزامه بتحقيق الحياد الكربوني ومنع إصدار تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال، انتقادات من بعض النقابات العمالية ووسائل الإعلام اليمينية.
كما أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المؤيدة للتوسع في إنتاج الوقود الأحفوري، أبدت تحفظًا على احتمال توليه منصب وزير الخزانة البريطاني، معتبرة أن مواقفه البيئية قد تعقد العلاقات الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تشير التوقعات إلى أن شابانا محمود هي الأقرب لتولي وزارة الخزانة، بعدما شهد الحزب نقاشات داخلية مطولة حول توزيع المناصب.
ويترك ذلك الباب مفتوحًا أمام ميليباند لتولي حقيبة أخرى، مثل وزارة الخارجية، وهو احتمال يحظى بدعم بعض الدبلوماسيين الذين يرون أنه يتمتع بخبرة دولية واسعة وقدرة كبيرة على تمثيل بريطانيا على الساحة العالمية.
ويشير التحليل إلى مؤتمر حزب العمال في ليفربول عام 2025 باعتباره نقطة التحول التي بدأت فيها ملامح طموحات ميليباند السياسية بالظهور.
وخلال ذلك المؤتمر، لم يقتصر حديث ميليباند على ملفات الطاقة، بل انتقد بعض توجهات حكومة ستارمر، خاصة تركيزها على قضايا الهجرة، معتبرًا أن مشكلات بريطانيا أعمق من ذلك وتتعلق بالاقتصاد والإنتاجية وتراجع الخدمات العامة.
ورغم تأكيده العلني المتكرر أنه لا يسعى مجددًا إلى قيادة الحزب، بدا واضحًا أنه يريد تغييرًا في أسلوب الحكم وأولويات الحكومة.
وفي تلك الفترة أيضًا، كان بورنهام يطرح رؤيته الخاصة لإصلاح الدولة البريطانية، والتي تقوم على نقل مزيد من الصلاحيات إلى السلطات المحلية، وزيادة دور الدولة في إدارة المرافق العامة، وإعادة تنشيط الصناعة البريطانية.
وأشاد ميليباند بهذه الأفكار، معتبرًا أنها تمثل رؤية مناسبة لمستقبل البلاد، مع استمراره في إعلان ولائه لستارمر أمام وسائل الإعلام.
وبحسب “بوليتيكو” فإن الكثيرين من أعضاء حزب العمال كانوا يتوقعون منذ أواخر عام 2025 أن يواجه ستارمر أزمة سياسية قد تؤدي إلى رحيله خلال صيف 2026، خاصة مع توقع خسائر انتخابية في الانتخابات المحلية وفي اسكتلندا وويلز.
وعندما بدأ الحديث عن خليفة محتمل، برز اسم أنجيلا راينر باعتبارها المرشحة المفضلة للجناح اليساري، لكن تحقيقات تتعلق بشؤونها الضريبية أضعفت فرصها، مما دفع بعض قيادات الحزب للبحث عن بدائل.
ورغم أن ميليباند كان يمتلك الخبرة والاسم السياسي اللازمين، فإنه توصل، بحسب مقربين منه، إلى قناعة بأنه ليس الشخص المناسب لقيادة الحزب مرة أخرى.
كما رأى حتى بعض أنصاره أن صورته الإعلامية ما زالت متأثرة بهزيمة عام 2015، وأن ترشحه سيؤدي إلى حملة إعلامية قوية ضده قد تضعف الحزب لذا، كرر في مقابلاته رفضه العودة إلى سباق القيادة، مؤكدًا أنه لا يطمح لمنصب رئيس الوزراء.
وميليباند سياسي يحب المواجهة ولا يخشى الصراعات الداخلية وقال أحد المسؤولين الحكوميين إن “كل شيء بالنسبة له معركة”، وهي سمة يربطها البعض بتربيته داخل عائلة سياسية فوالده رالف ميليباند كان مفكرًا ماركسيًا معروفًا، بينما كانت والدته ماريون كوزاك ناشطة اشتراكية وناجية من المحرقة النازية.
ويرى المقربون من ميليباند أن هذه الخلفية زرعت فيه إيمانًا عميقًا بأن السياسة ليست مجرد إدارة للحكومة، بل صراع من أجل المبادئ والأفكار.
وسبق أن خاض ميليباند معركة سياسية كبيرة ضد شقيقه الأكبر ديفيد ميليباند وفاز عليه في انتخابات زعامة حزب العمال عام 2010، وهو ما يعكس استعداده لخوض المنافسات الصعبة.
ومع ذلك، لا يزال بعض المسؤولين السابقين يرون أنه يبالغ في الاهتمام بصورته السياسية، ويعتقدون أن إعلانه عدم الرغبة في العودة إلى رئاسة الحكومة ليس مقنعًا بالكامل.
في المقابل، يرى مؤيدوه أن أفكار ميليباند تتوافق بدرجة كبيرة مع مشروع بورنهام السياسي، الذي يركز على تقليل التفاوت الاجتماعي، وتعزيز اللامركزية، وإعادة بناء القاعدة الصناعية البريطانية، مع تبني سياسات اقتصادية تناسب تحديات القرن الحادي والعشرين.
ويختتم المقال بتقييم لمكانة ميليباند الدولية، حيث يشير إلى أنه يتمتع بعلاقات قوية مع سياسيين وقادة حول العالم، من بينهم حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية غافين نيوسوم، كما بنى قنوات تعاون مع الصين في مجال الطاقة النظيفة ويرى بعض الخبراء أن هذه العلاقات قد تجعله وزير خارجية ناجحًا إذا تولى المنصب.
لكن المشكلة الحقيقية التي ستواجه حكومة بورنهام ليست توزيع المناصب، بل التحديات الاقتصادية الكبرى التي تعاني منها بريطانيا، مثل ضعف النمو الاقتصادي، وارتفاع الضغوط على المالية العامة، وضيق هامش المناورة في الضرائب والإنفاق والاقتراض.
لذا، فإن نجاح أو فشل الحكومة المقبلة سيعتمد بدرجة أكبر على قدرتها على معالجة هذه الأزمات، أكثر مما يعتمد على هوية الوزير الذي سيشغل أي حقيبة، سواء كان إد ميليباند أو غيره.













