آخر الأخبارإقتصاد

خبير فرنسي: أوروبا تضيق الخناق على «الكاش» وتدخل عصر الرقابة المالية الذكية

يتجه الاتحاد الأوروبي نحو إعادة تشكيل نظامه المالي عبر تقليص الاعتماد على النقد، في خطوة تستهدف مكافحة الجرائم المالية وتعزيز الشفافية، وسط توقعات بتأثيرات اقتصادية واجتماعية متفاوتة بين الدول.

وأضاف جيرولف، في تصريحات، أن هذا التوجه، وفقًا للتحليل الاقتصادي، لا يستهدف تقييد حرية المستهلك بقدر ما يهدف إلى تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي، الذي يُستخدم غالبًا في عمليات غسل الأموال أو التهرب الضريبي.

وأشار إلى نقطة حساسة تتمثل في أن هذا النوع من السياسات قد يثير توترًا اجتماعيًا محدودًا في بعض الدول التي لا تزال تعتمد بشكل واسع على النقد، مثل ألمانيا وإيطاليا، حيث يُنظر إلى الدفع النقدي باعتباره جزءًا من الحرية الاقتصادية الفردية.

وأوضح أن فرنسا، على عكس دول أخرى، لن تتأثر بشكل كبير، نظرًا لامتلاكها بالفعل واحدة من أكثر القواعد صرامة في أوروبا فيما يتعلق بسقف الدفع النقدي، ما يجعلها “مهيأة مسبقًا” لهذا التحول.

مرحلة جديدة

واعتبر الباحث الفرنسي أن الخطوة الأوروبية تعكس انتقال الاتحاد إلى مرحلة جديدة من “الرقابة المالية المدمجة”، حيث يتم ربط السياسات النقدية مباشرة بأهداف الأمن الاقتصادي ومكافحة الجريمة المالية، وهو اتجاه مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة.

وأقر الاتحاد الأوروبي نظامًا جديدًا يحدد سقفًا موحدًا للمدفوعات النقدية داخل دوله الأعضاء عند 10 آلاف يورو، بدءًا من عام 2027، في إطار تعزيز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع منح الدول الأعضاء هامشًا لتطبيق قيود أكثر صرامة إذا رغبت في ذلك.

واعتبارًا من 10 يوليو/تموز 2027، سيُطبّق قانون أوروبي جديد يحظر إجراء المدفوعات النقدية التي تتجاوز 10 آلاف يورو عند التعامل مع المهنيين، مثل التجار والشركات والحرفيين، وذلك بموجب اللائحة الأوروبية رقم 2024/1624/UE، بحسب محطة “بي.إف.إم” التلفزيونية الفرنسية.

ويهدف هذا الإجراء إلى الحد من عمليات غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير القانونية، خاصة في القطاعات عالية القيمة مثل السيارات الفاخرة واليخوت والطائرات الخاصة وبعض المعاملات العقارية.

وبموجب القرار، لن تشمل القيود المعاملات بين الأفراد، بل ستقتصر على التعاملات التجارية والمهنية فقط.

التحقق من هوية المشتري

كما سيُطلب من البائعين التحقق من هوية المشتري في أي عملية نقدية تتراوح قيمتها بين 3 آلاف و10 آلاف يورو، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية وتتبع الأموال.

ورغم أن بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، تعتمد بشكل واسع على الدفع النقدي، فإن هذه القاعدة الجديدة ستؤثر على أنظمتها بشكل أكبر مقارنة بدول أخرى، في حين لن تُجبر دول مثل فرنسا على تعديل قوانينها الحالية.

ففي فرنسا، تُطبّق قيود أكثر تشددًا منذ عام 2015، حيث تم تحديد سقف الدفع النقدي عند 1000 يورو فقط في المعاملات بين الأفراد والمهنيين، وذلك في إطار سياسة مكافحة التهرب المالي التي أعقبت الهجمات الإرهابية.

وبالتالي، فإن القاعدة الأوروبية الجديدة تُعد أكثر مرونة من النظام الفرنسي، ما يعني أن باريس ليست ملزمة برفع سقفها، ويمكنها الإبقاء على الحد الحالي.

وقبل هذا التوحيد الأوروبي، كانت القوانين متفاوتة بشكل كبير بين الدول؛ إذ لم يكن هناك سقف محدد للدفع النقدي في ألمانيا، بينما تراوحت الحدود في إيطاليا وإسبانيا ودول أخرى بين 2000 و15 ألف يورو.

وقد أتاح هذا التباين سابقًا استغلال الفجوات القانونية بين الدول لتنفيذ عمليات غسل أموال عبر اختيار الدول الأكثر تساهلًا، وهو ما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الحد منه من خلال هذا القرار.

مكافحة غسل الأموال

وضمن الحزمة التشريعية الجديدة، تم إنشاء هيئة أوروبية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومقرها فرانكفورت، وبدأت عملها في منتصف عام 2025، وتضم أكثر من 400 موظف.

وتتولى هذه الهيئة الإشراف المباشر على المؤسسات المالية عالية المخاطر، وتنسيق العمل بين السلطات الوطنية، مع صلاحيات للتدخل عند وجود تقصير.

واعتبارًا من عام 2029، ستخضع أندية كرة القدم المحترفة لنفس قواعد الامتثال المالي المفروضة على البنوك، بما في ذلك التحقق من مصادر التمويل والإبلاغ عن أي معاملات مشبوهة، خصوصًا في صفقات انتقال اللاعبين والاستثمارات الكبرى.

كما ستشمل القواعد الجديدة الأفراد الذين تتجاوز ثرواتهم 50 مليون يورو، حيث ستخضع حساباتهم لرقابة مالية مشددة تشمل تتبع مصادر الأموال ومراقبة التحويلات بدقة.

ويمثل القرار الأوروبي خطوة كبيرة نحو تقليص استخدام النقد في المعاملات الكبرى وتعزيز الرقابة المالية داخل الاتحاد الأوروبي، مع الإبقاء على قدر من المرونة للدول الأعضاء. ومع ذلك، تشير هذه الإجراءات بوضوح إلى أن مرحلة التعامل النقدي غير المقيد في أوروبا تقترب تدريجيًا من نهايتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى