«دولار السفر والعلاج» تحت الرقابة.. ليبيا تضيّق الخناق على السوق السوداء

في خطوة تهدف إلى كبح جماح السوق السوداء وتخفيف وطأة شح النقد الأجنبي على المواطنين، كشف مصدر مسؤول في مصرف ليبيا المركزي عن توجه المصرف لإطلاق حزمة من الإجراءات التنظيمية الجديدة.
وأوضح المصدر أن الإجراءات تشمل تسهيلات لتمويل أغراض العلاج والدراسة بالخارج، إضافة إلى آلية مبتكرة لتزويد المسافرين بالعملة الصعبة مباشرة عبر المنافذ الجوية.
أولويات العلاج والدراسة
وأكد المصدر، في تصريحات خاصة لـ “العين الإخبارية”، أن المصرف المركزي سيسمح ببيع الدولار للمواطنين لأغراض العلاج والدراسة في الخارج، وفق سقوف مالية محددة سيتم الإعلان عنها لاحقا، مع منح أولوية قصوى للحالات المستعصية والعمليات ذات التكلفة المرتفعة التي تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً في الخارج.
وأوضح المصدر أن هذه الخطوة تأتي ضمن سياسة شاملة لإعادة تنظيم سوق النقد الأجنبي والحد من الطلب غير المنظم، خاصة في ظل تزايد الضغوط على المصارف التجارية وشح السيولة الدولارية الموجهة للأفراد، مما دفع الكثيرين للجوء إلى القنوات غير الرسمية.
دولار المطار
وفي سياق متصل، كشف المصدر عن ملامح آلية جديدة يجري العمل عليها لصرف مبالغ نقدية تتراوح بين 500 و1000 دولار أمريكي للمسافرين، تُسلم مباشرة في المطارات عبر المصارف العاملة أو شركات الصرافة المعتمدة، وذلك مقابل تقديم المسافر لبطاقة صعود الطائرة وتذكرة السفر وإثبات الوجهة.
وأشار إلى أن هذه الآلية تستهدف تسهيل احتياجات السفر الشخصية وتقليل الاعتماد على السوق الموازية قبل المغادرة، في وقت يشهد فيه سعر الصرف تبايناً ملحوظاً؛ حيث بلغ متوسط سعر الدولار في المصرف المركزي اليوم نحو 6.33 دينار، بينما لا يزال يتأرجح في السوق السوداء حول حاجز 7.97 دينار. ورغم عدم تحديد موعد نهائي للتنفيذ، أكد المصدر أن الإجراءات في مراحلها التنظيمية الأخيرة.
الاستمرارية طوق النجاة
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة عمر المختار، الدكتور خالد الهباوي، أن الإجراءات الأخيرة ببيع 2000 دولار نقداً لكل مواطن تمثل “حجر زاوية” في مساعي إصلاح سوق النقد، مؤكداً أنها تزيد من المعروض الدولاري، وهو عامل رئيسي لتخفيف الضغط عن الدينار الليبي وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.
وأضاف الهباوي أن عزم محافظ المصرف المركزي على صرف مخصصات العلاج والدراسة يعد “خطوة إنسانية واقتصادية هامة” تنهي معاناة آلاف الطلبة والمرضى بالخارج، مشيراً إلى أن النجاح الحقيقي لهذه السياسات يكمن في كفاءة التنفيذ وضمان وصول العملة لمستحقيها الفعليين لخفض أسعار السلع والخدمات.
بيد أن الخبير الاقتصادي حذر من تحديات جسيمة، قائلاً: “إن نجاح هذه الإصلاحات يعتمد كلياً على الاستمرارية في صرف المخصصات السنوية، وفرض رقابة صارمة لمنع تسرب العملة إلى المضاربين وتجار الحروب، مع ضرورة ضبط الإنفاق العام لتهيئة بيئة مالية مستقرة”.
واختتم الهباوي تصريحاته بالتحذير من مغبة التوقف المفاجئ عن هذه السياسات، معتبراً أن “عدم الاستمرار لأي سبب كان سيؤدي إلى كارثة اقتصادية لا تحمد عقباها، حيث سيعود المضاربون للسيطرة على السوق، مما سيؤدي لارتفاع جنوني في الأسعار وانعكاسات سلبية حادة على معيشة المواطن اليومية”.
حالة الترقب
بدوره، حلل أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة الليبية، عبد الحميد الفضيل، المشهد من زاوية “العرض والطلب”، مؤكداً أن زيادة ضخ النقد الأجنبي خطوة في الاتجاه الصحيح لرفع قيمة الدينار، مشيراً إلى أن تخصيص 2000 دولار للأغراض الشخصية سيسهم حتماً في زيادة المعروض بالسوق الموازية، وبالتالي خفض سعر الصرف اقتصادياً.
إلا أن الفضيل ربط نجاح هذه الخطوات بملف “الإنفاق العام”، موضحاً لـ”العين الإخبارية” أن المصرف المركزي لا يعمل بمعزل عن الحكومة، وأن القدرة على بيع دولارات أكثر مرتبطة بتنفيذ “اتفاق الإنفاق الموحد” بحيث لا تتجاوز المصروفات حجم الإيرادات، وهو شرط أساسي لاستقرار سعر الصرف عند مستويات قريبة من السعر الرسمي.
وحول القدرة المالية للمصرف، كشف الفضيل أن “المركزي سحب من احتياطياته بين عامي 2024 و2025 أكثر من 17 مليار دولار”، متوقعاً ألا يضحي المصرف بمزيد من الاحتياطيات في 2026، حيث يرجح ألا يتجاوز سقف الضخ الشهري 2 مليار دولار، وهو الرقم الذي يتناسب مع تدفقات الإيرادات النفطية الحالية، مشدداً على ضرورة وصول إيرادات النفط كاملة إلى خزائن المصرف.
وفيما يخص انعكاس ذلك على جيوب المواطنين، أوضح الفضيل أن السوق الليبي يعيش حالياً “مرحلة ترقب”، قائلاً: “إذا استقر سعر الصرف عند حدود 7.5 إلى 7.7 دينار في الأشهر المقبلة، فسنشهد انخفاضاً تدريجياً في الأسعار، لكن هذا الانخفاض يحتاج وقتاً طويلاً لأن التجار يفتقدون الثقة في استقرار السياسات النقدية ويخشون تقلبات المشهد السياسي”.













