البلطجة الأمريكية.. ووكر اللصوص..!

سليم الزريعي
لأن البلطجة زادت عن حدها، وباتت محرجة حتى لحلفاء واشنطن من القوى الرأسمالية، وجه الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، انتقاداً لاذعاً للسياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب، وحث العالم على عدم السماح للنظام العالمي بأن ينحدر ليتحول إلى “وكر لصوص” يأخذ فيه عديمو الضمير ما يريدون.
اللصوصية الفجة..!!
والسؤال هنا، وترمب يحول العالم إلى وكر للصوص. حسب الرئيس الألماني، هل العالم لم يكن كذلك، في ظل عمليات النهب الاستعماري المستمرة باشكال ناعمة منذ قرون، وحتى الآن من قبل الدول الإمبريالية؟
لكن يمكن القول إن السمسار الرئيس دونالد ترمب مارس هذه اللصوصية بشكل فج وليس ناعما، بأن أعاد العالم بعد غزوة فنزويلا واعتقال رئيسها، وإعلانه أن واشنطن هي من ستدير شؤون ذلك البلد، إلى حقبة ما قبل التنظيم الدولي والشرعية الدولية، وقواعد القانون الدولي، وأن الحقوق تصنعها القوة، وأنه وداعا لمرحلة سمو القانون الدولي وسيادة الدول على أقاليمها.
شخص غير موثوق
وهل البشرية أمام تحدي جديد يقوده ترمب.. يشبه ما كان قد مثله زعماء مثل هتلر وغيره من من فجروا الحروب الكبرى..؟
وهل العالم أمام رئيس دولة عظمى، ولكنه شخص لا يوثق به كشخص في موقع المسؤولية لدولة عظمى، كونه وفق وصف والدته وأخته، شخص.. أحمق، ومهرج، وبلطجي، ونرجسي ..؟!
وهل هذه الصفات التي تجعل منه شخصا غير متوازن، مفصولة عن كونه جاء رئيسا منتخبا، وهو لذلك يعتبر ممثلا أصيلا للنموذج السياسي والثقافي والسلوكي للولايات المتحدة الأمريكية كدولة.؟
إعادة إنتاج
ثم أليس دونالد ترمب، بصفاته وسلوكه هو الأكثر تعبيرا عن الولايات المتحدة؟ كونه لم يأت بجديد، وإنما هو فقط أعاد أمريكا إلى ممارسة تلك السياسة الفجة من عنجهية وبلطجة، كمكون أساسي في العقل الأمريكي. بعد حقبة تاريخية لعبت فيها معادلة توازن القوى الدولي، دورا في تراجع تلك البلطجة كمظهر للسلوك، ولكن بقيت البلطجة، غير أن طريقة ممارستها اختلفت فعوض العنف المادي.. باتت تمارس ذلك عبر الضغط والإكراه المعنوي وسطوة القوة الناعمة الأمريكية الاقتصادية..
ومن ثم فإن حقبة توازن القوى الدولي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وضبط سلوك الولايات المتحدة عبر الأمم المتحدة وبحدود معينة، حتى ظنت بعض الدول أن أمريكا قد أصبحت دولة تحترم استقلال الدول وخياراتها السياسية والفكرية والاقتصادية، وحقوق شعوب العالم في تقرير المصير.
المعطيات.. لا تكذب
لكن الوقائع كانت تكذب ذلك، لأن أمريكا هي أمريكا، هي كانت وما زالت، دولة البلطجة والعدوان واحتقار دول وشعوب العالم..
وهي التي كانت قد أعطت إلى نفسها بعد الحرب العالمية الثانية، في ظل وجود الأمم المتحدة، الحق فى التدخل فى شؤون جيرانها لفرض مصالحها وإبعاد القوى الخارجية، كما حدث فى العديد من دول أمريكا اللاتينية من حصار كوبا والعمل على إسقاط الحكومات التي ترفض وصاية واشنطن، حتى بات مبدأ مونرو فى وعي معظم تلك الدول من مبدأ حماية إلى غطاء للهيمنة الأمريكية..
مبدأ مونرو
ولا يمكن هنا للقارئ إلا أن يستحضر كيف جعلت الولايات المتحدة، من نفسها ومنذ عام 1823، وصية على كل شعوب أمريكا، مع أنها لم تكن دولة عظمى حينها، وإنما هي دولة وليدة، لكنه النزوع نحو الهيمنة والسيطرة الذي كان يسكن عقل أولئك المغامرين الأوروبيين، الذين أقاموا دولتهم على جماجم سكان تلك البلاد الأصليين، من خلال مبدأ مونرو الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في رسالة سلّمها للكونغرس الأمريكي في 2 ديسمبر 1823، ويمكن تكثيف ذلك المبدأ في مقولة “أمريكا للأمريكيين”.
حق التدخل
وهو المبدأ الذي أضاف له الرئيس تيودور روزفلت عام 1904, تعديلا يمنح الولايات المتحدة الحق فى التدخل العسكرى فى شؤون دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبى لـ«فرض النظام» أو «تصحيح السلوك غير المسؤول» الذي قد يجذب تدخلا. وهي الحقيقة التي تؤكدها الشواهد التاريخية عبر التدخل في كوبا وبنما، ونيكاراجوا وفنزويلا هوجو شيفيز، وبوليفيا والبرازيل وغيرها.
بلطجة موصوفة
ولأنه لا حدود منطقية لمفهوم البلطجة في مفهومها العام، والامريكية بشكل خاص لا عجب أن يعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً عن رغبته في ضم كندا لتصبح “الولاية الأمريكية رقم 51″، مبرراً ذلك بالتكاليف الاقتصادية التي تتحملها الولايات المتحدة لحماية كندا، (حوالي 200 مليار دولار سنوياً)، ووصف الحدود بين البلدين بأنها “حدود مصطنعة.
وتصل البلطجة إلى حدود غير مسبوقة. فيما هي لا تميز بين الحلفاء وغيرهم، حتى وصل الأمر بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التعبير عن نواياه العدوانية، تجاه جزيرة “جرينلاند”، وهي أنه يدرس عددا من الأفكار للاستحواذ على الجزيرة، التابعة إلى الدنمارك ولكنها تتمتع بالحكم الذاتي، بل إنه كشف انه لتحقيق لا يستبعد اللجوء للقوة.. عندما أكد أن اللجوء للخيار العسكري “يبقى خيارا مطروحا”.
أمريكا دون مساحيق
ومع كل السوء الذي كشفه سلوك الرئيس الأمريكي باختطاف رئيس دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة،. وإعلانه السيطرة على ثرواتها النفطية، فإنه من جانب آخر قدم أمريكا كما هي، دون مساحيق تجميل. كدولة فوق القانون، وأن غطرسة القوة وسطوة قوتها الناعمة، هي بضاعة أمريكا التي يجب أن يدار بها. ولعل ذلك يجعل المتهافتين على إرضاء واشنطن أن يستفيقوا، وهو أن أمريكا ليست في حاجة إلى حلفاء أو حتى وكلاء سواء كانوا أشخاصا معنوية أو طبيعية، وإنما إلى أدوات ولا أستثني أحدا.













