روسيا وأوكرانيا.. حرائق متوقعة في الشتاء وطاولة سلام مؤجلة

بينما لا توجد أي مؤشرات على تراجع عزيمة أي من طرفي حرب أوكرانيا، تستخدم موسكو وكييف، الصواريخ والمسيرات لإجبار كل منهما الآخر على الاستسلام.
وفي الوقت الحالي، تشن روسيا وأوكرانيا، في مدن بعيدة عن خط المواجهة على الأرض، حربًا جوية متصاعدة ومتبادلة، مما يحق معاناة أكبر بسكان البلدين مقارنةً بأي وقت مضى منذ بداية الحرب في 2022.
ومع تجمد خط المواجهة إلى حد كبير، يستخدم كل طرف ترسانات متنامية من الصواريخ والمسيرات للانتقام ومحاولة إخضاع الطرف الآخر.
ومع ذلك، لا يوجد دليل على أن هذا التصعيد سيضعف عزيمة أي من البلدين على مواصلة القتال.
وأشار تحليل نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إلى توقعات المحللين حول تفاقم المعاناة الإنسانية هذا الشتاء، في ظل سعي كل من روسيا وأوكرانيا إلى تعزيز موقفهما في مفاوضات التسوية التي تدعمها الولايات المتحدة، والمتوقع استئنافها بعد تحقيق تقدم ضئيل هذا العام.
وقال روب لي، الخبير العسكري في معهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا، لـ”نيويورك تايمز”، “المسألة تتعلق بمدى قدرة روسيا على تحمل الخسائر مقارنة بأوكرانيا، وروسيا قادرة على تحمل الكثير من الخسائر”.
وتسارعت وتيرة هذه الموجة الجديدة من الهجمات في أواخر يونيو/حزيران، عندما شنت أوكرانيا حملة عسكرية استمرت 40 يومًا ضد روسيا، والتي صرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي بأنها تهدف إلى “إجبارها على إنهاء الحرب”.
ومنذ ذلك الوقت، استهدفت مسيرات أوكرانية بعيدة المدى أكثر من 30 مستودعًا لشركات تسوق إلكتروني كبرى، مما أدى إلى تعطيل الخدمات اللوجستية التجارية الروسية، وإلحاق خسائر فادحة بالتجار الصغار، ومقتل عدد من عمال المستودعات.
وواصلت أوكرانيا أيضًا هجماتها على مصافي النفط الروسية ومراكز توزيع الوقود ونفد البنزين أو الديزل من حوالي 70% من محطات الوقود الروسية الشهر الماضي، مما أدى إلى أسوأ أزمة وقود تشهدها البلاد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
وسارع الكرملين إلى معالجة الوضع، فسمح ببيع بنزين وديزل منخفض الجودة. لكن حتى منتصف أغسطس/آب، كانت الطوابير تمتد لساعتين أمام كل محطة وقود في موسكو.
كما أدت الضربات الأوكرانية على البنية التحتية في بحر آزوف وحوض البحر الأسود الأوسع إلى شل الصادرات الزراعية الروسية.
ومع ذلك، لا يواجه الاقتصاد الروسي خطر الانهيار الوشيك، حتى مع تباطؤ النمو إلى حدّ شبه تام، وتضخم عجز الموازنة، لكن الهجمات الأوكرانية جعلت الحرب تبدو أقرب إلى الروس من أي وقت مضى، وفق نيويورك تايمز.
وبعد انتهاء الحملة الأوكرانية التي استمرت أربعين يوماً، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن كييف قد فتحت “صندوق باندورا” بمحاولتها إلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي، وأنها ستدفع الثمن. وألحقت الهجمات الروسية اللاحقة معاناةً أكبر بالأوكرانيين.
وتضرب الصواريخ الباليستية والصواريخ الأسرع من الصوت الروسية المدن الأوكرانية بشكل شبه عشوائي، ويعود ذلك في معظمه إلى نقص مخزون أوكرانيا من صواريخ باتريوت الاعتراضية أمريكية الصنع.
وبلغت الخسائر في صفوف المدنيين الأوكرانيين أعلى مستوى لها منذ الأسابيع الخمسة الأولى للحرب، وهي أعلى بكثير من الخسائر في صفوف الروس.
وأدت هجمات موسكو على البحر الأسود إلى شل موانئ حيوية في منطقة أوديسا، وهددت بخسارة الاقتصاد الأوكراني أكثر من ملياري دولار من الصادرات الزراعية في النصف الثاني من عام 2026.
كما تضررت أو تدمرت أكثر من 300 محطة وقود أوكرانية جراء الهجمات الروسية خلال الأشهر الستة الماضية، بالإضافة إلى استهداف عشرات المستودعات، بما فيها تلك التي تزود محلات البقالة، وعدد من المراكز التجارية وأفادت رابطة النشر الأوكرانية بأن نحو 13 مليون كتاب قد احترقت في غارات روسية.
ترجيحات باستمرار التصعيد
ورجح المحللون استمرار التصعيد بعدما ألحقت روسيا أضرارًا بالغة بشبكة الكهرباء الأوكرانية، الشتاء الماضي، وتوعدت بتكرار ذلك.
ويوم الثلاثاء، صرح بوتين بأنه أصدر تعليماته لقواته المسلحة “بشنّ ضربات واسعة النطاق على منشآت الطاقة الأوكرانية” وأشار محللون إلى أن روسيا قد تستهدف أيضًا إمدادات المياه في أوكرانيا.
وهدد بوتين ضمنيًا بتوسيع نطاق الحرب لتشمل حلفاء أوكرانيا الغربيين، وقال “إذا حاول أحدٌ إضعافنا، والتهامنا، وسحقنا، فقد يتلقى ضربة قوية”.
وربما تواصل أوكرانيا هي الأخرى تصعيدها فهي تطور صواريخها الباليستية القوية، وتشير إلى أنها قد تكون جاهزة بحلول خريف هذا العام، وهو ما يعني في حال حدوثه أن تدخل الحرب مرحلةً جديدة.
من جانبه، حذر زيلينسكي شركات الطيران من أن المجال الجوي الروسي قد “يصبح غير آمن تمامًا” بسبب المسيرات الأوكرانية، وهو ما اعتبره بوتين “إرهاب دولة”.
في الأثناء، والأسبوع الماضي، سافر مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) جون راتكليف، إلى موسكو في محاولة لإقناع روسيا بالتوصل إلى اتفاق قبل أن يتفاقم الوضع العسكري والاقتصادي للبلاد.
وكان رد موسكو على الزيارة واضحًا فقد صرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، بأن مفاوضات السلام التي تقودها الولايات المتحدة في “جمود عميق”.
“لا محادثات قريبة”
بدورهم، قال خبراء ودبلوماسيون، إن محادثات سلام جادة لن تبدأ على الأرجح قبل الربيع أو الصيف المقبلين.
وأوضح مسؤولون أوكرانيون، أن كبيري المفاوضين الأمريكيين، جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب وصديقه المقرب، من المفترض أن يزورا أوكرانيا قريباً لإعادة إطلاق المحادثات.
لكن شائعات الزيارة ترددت أربع مرات على الأقل هذا العام، ولم تتم.
في المقابل، لم تكشف روسيا أي مؤشر على استعدادها للمحادثات، إذ قال مسؤولون أوكرانيون ودبلوماسيون غربيون، إن بوتين غاضب لأن القوات الروسية لم تسيطر بعد على كامل منطقة دونباس في شرق أوكرانيا.
وتسيطر القوات الروسية على أقل من 20% من أوكرانيا، أي أكثر بقليل مما كانت تسيطر عليه قبل ثلاث سنوات.














