آخر الأخبارتحليلات و آراء

الفكر والمؤسسة

لم تعد مشكلتنا الفلسطينية نقصاً في التجربة أو التضحيات. نحن شعب نكافح منذ أكثر من مئة عام، وراكمنا من الخبرة ما يكفي لأن يجعلنا أكثر قدرة على قراءة واقعنا وصناعة مستقبلنا.

لكن السؤال الصعب هو: هل تطورت أدوات تفكيرنا السياسي بمستوى تطور التحديات التي نواجهها؟

أعتقد أن الإجابة، بكل صراحة، هي: لا.

فنحن نعيش في زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح وحده. المعرفة، والإعلام، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المعلومات، أصبحت جميعها أدوات أساسية في الصراع، ومن لا يمتلك القدرة على فهم هذه الأدوات سيجد نفسه دائماً متأخراً كثيراً عن خصمه.

لذلك نحن بحاجة إلى أدوات معرفية تقرأ الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون؛ أدوات تتحرر من الأنا والعاطفة واليأس، وتضع الحقيقة فوق الرغبة.

وهنا يبرز السؤال:

أين المفكر الفلسطيني داخل مؤسساتنا السياسية؟

لدينا تنظيمات عمر بعضها يقارب ستين عاماً، ولدينا جامعات ومراكز بحث ومئات الكفاءات، لكن أين مراكز التفكير التي تقدم للقيادات الدراسات والسيناريوهات والبدائل؟ وأين المفكر الذي يستطيع أن يقول للقيادة بوضوح:

هذا القرار خطأ، وهذا الطريق خطر، وهذا الخيار يحتاج إلى مراجعة؟

المشكلة ليست في غياب العقول الفلسطينية، وإنما في عدم إشراك العقل في صناعة القرار السياسي، وتفرد رجال السياسة بالقرار.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تنتصر بالتضحيات وحدها، وأن تجارب حركات التحرر في العالم تؤكد أن المعرفة والتنظيم والقدرة على قراءة اللحظة التاريخية قد تكون أحياناً أهم من قوة السلاح.

لكن غياب العقل النقدي عن صناعة القرار لا يؤدي فقط إلى أخطاء سياسية؛ بل قد يفتح الطريق أمام أخطر من ذلك: احتكار القرار والاستبداد السياسي.

فالاستبداد لا يبدأ دائماً بانقلاب عسكري. قد يبدأ بإقصاء العقل، وإسكات النقد، واحتكار القرار، ثم إحاطة القائد بمن يقولون له “نعم” دائماً، وإبعاد من يجرؤ على قول “لا”.

وعندما يحدث ذلك، يبدأ القائد تدريجياً في الاعتقاد بأن رأيه هو الحقيقة، وأن معارضته هي معارضة للمؤسسة، وأن نقده هو طعن في القضية نفسها. وهنا يتحول القرار من قرار مؤسسي إلى قرار فردي، وتتحول المؤسسة من مساحة لصناعة القرار إلى مساحة لتبريره.

وهذا هو الخطر الذي يجب ألا نتجاهله في حالتنا الفلسطينية.

فحين تتفرد القيادة بصناعة القرار، يبرز سؤال مشروع: هل أصبحت القيادة تسمع ما ينبغي أن تسمعه، أم ما يرغب المحيطون بها في أن تسمعه؟

وإذا كانت القيادة بحجم (وطن وقضية وشعب)، فإن عزلها عن النقد والمشورة وحرية الرأي لا يعود مجرد خلل في إدارة القرار، بل يتحول إلى خطر حقيقي يمس مستقبل الشعب الوطن والقضية بأكملها.

وفي حالتنا الفلسطينية، يُعيَّن بعض المستشارين لا لكي يُستشاروا، بل لتوزيع المناصب وإرضاء المقربين واحتواء المختلفين، وحين يُطلب رأيهم، لا يقول بعضهم ما يجب أن يسمعه القائد، بل ما يرغب القائد في سماعه؛ لأن المستشار الذي يجرؤ على قول الحقيقة قد يخسر منصبه، بينما المستشار الذي يجيد المجاملة والتسحيج يحافظ على مكانته.

وهكذا تتحول المشورة من أداة لتصحيح الخطأ إلى أداة لتجميله.

لهذا فإن القيادة التي نحتاجها ليست قيادة لا تخطئ؛ فهذا غير موجود. وإنما قيادة تملك شجاعة الاعتراف بالخطأ، والاستماع إلى من يختلف معها.

قيادة تسمح لمن حولها بأن يقولوا لها:

لقد أخطأت.
هذا القرار يحتاج إلى مراجعة.
وهذا الطريق قد يقودنا إلى نتائج لا نريدها.

فالقيادة القوية ليست التي تحيط نفسها بمن يقولون لها “نعم” دائماً، ولا التي تعتبر الاختلاف معها خروجاً عن الصف، بل التي تفتح أبوابها للنقد، وتستمع لمن يقول لها “لا”، وتمتلك شجاعة مراجعة قراراتها وتصحيح أخطائها عندما يتبين أنها أخطأت.

نحن لا نحتاج إلى مفكرين يبررون قرارات القيادة بعد صدورها، بل إلى مفكرين ومراكز تفكير تشارك في صناعة القرار قبل صدوره؛ تقدم الدراسات، وتقرأ المتغيرات، وتضع السيناريوهات، وتقترح البدائل، وتحذر من المخاطر.

نحن بحاجة إلى مؤسسات تفكر قبل أن تقع الكارثة، لا مؤسسات تشرح لنا بعد وقوعها لماذا وقعت.

لقد امتلكنا قرناً من التجربة، لكن التجربة وحدها لا تصنع المستقبل.

المستقبل تصنعه القدرة على التعلم من التجربة، وتحويل المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى قرار.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:

من المسؤول عن أزمتنا؟

بل السؤال الأكثر إلحاحاً:

هل نملك قيادة بمستوى التحدي؟

قيادة تستمع إلى المفكرين، وتستفيد من مراكز البحث والدراسات، وتسمح للعقل النقدي بأن يكون شريكاً في صناعة القرار؟

وإذا كانت الإجابة، بكل صراحة، هي: لا، فهذه الـ«لا» ليست سبباً لليأس، بل سبباً للعمل.

فلننتجها.

فلينتج الشعب الذي عاني من الإستبداد، قيادة تستبق الأحداث بدل أن تطاردها، وتستمع إلى العقل قبل أن تفرض عليها الوقائع خياراتها، وتدرك أن قوة القرار لا تأتي من احتكار الرأي، بل من تعدد العقول التي تساهم في صناعته.
فالشعب الذي استطاع أن يبقى أكثر من مئة عام في قلب التاريخ، رغم كل ما تعرض له، قادر على إنتاج عقل سياسي جديد يليق بتضحياته، ويستوعب تعقيدات صراعه، ويتقدم على تحدياته بدل أن يظل متأخراً عنها.
لكن الشعوب لا تتحرر من الاستبداد بمجرد رفضه؛ بل حين تمتلك إرادة مساءلة من يحتكر القرار، وتغيير من يفشل في قيادتها، وإنتاج قيادة تستمع إلى العقل وتحترم الاختلاف.
وإلا فإن الاستبداد سيعيد إنتاج نفسه بأسماء جديدة، وسيظل الشعب يدفع ثمن الصمت، وتبقى إرادته رهينة لمن يحتكرون القرار.
فالمشكلة ليست أن التحديات أصبحت أكبر من قدرتنا على مواجهتها؛ المشكلة أن بعض أدواتنا في التفكير والقيادة ما زالت أصغر من حجم هذه التحديات.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا:
أن نجعل العقل شريكاً في القرار، لا شاهداً على الكارثة.
فالقضية التي استطاعت أن تصمد أكثر من قرن لا يجوز أن تُدار بعقل الأمس أمام تحديات الغد.

حيدر العيلة… غزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى