آخر الأخبارأخبار عالمية

المسيرات تغير وجه الحرب الأوكرانية.. المعركة الحاسمة انتقلت إلى السماء

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، لم يعد خط التماس هو الساحة الرئيسية للصراع، بل انتقل مركز الثقل تدريجياً إلى الأجواء، حيث تخوض موسكو وكييف حرب استنزاف تعتمد على الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى والذكاء الاصطناعي.

وبينما لا تزال المعارك البرية تدور بوتيرة بطيئة وكلفة بشرية مرتفعة، باتت القدرة على اختراق المجال الجوي للخصم واستنزاف دفاعاته تمثل العامل الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.

وتعكس الهجمات المتبادلة هذا التحول بوضوح، فقد وسعت أوكرانيا عملياتها بعيدة المدى لتستهدف منشآت النفط والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية داخل روسيا، من سيبيريا إلى سانت بطرسبرغ، مستخدمة طائرات مسيّرة متطورة وصواريخ كروز قادرة على إصابة أهداف تبعد مئات الكيلومترات عن الجبهة.

في المقابل، صعّدت موسكو حملتها الجوية إلى مستويات غير مسبوقة، مسجلة أرقاماً قياسية في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مستفيدة من الضغوط المتزايدة التي تواجهها منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية.

وتظهر البيانات الأخيرة حجم هذا التصعيد؛ إذ أطلقت روسيا خلال يوليو/تموز الماضي ما لا يقل عن 126 صاروخاً باليستياً، وهو أعلى معدل شهري منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2022، بينما أسفرت الضربات الجوية عن مقتل نحو 400 مدني خلال شهر واحد.

كما شهدت كييف هجوماً واسعاً استخدمت فيه موسكو صواريخ باليستية وفرط صوتية، في مؤشر على تصاعد الاعتماد على الأسلحة التي يصعب اعتراضها، الأمر الذي انعكس مباشرة على البنية التحتية للطاقة والنقل والموانئ الأوكرانية، مهدداً صادرات الحبوب والصلب ومفاقماً المخاوف من أزمة كهرباء وتدفئة جديدة مع اقتراب الشتاء.

ورغم استمرار القتال البري، فإن الحرب باتت تسير في مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في معارك الاستنزاف على الجبهة الشرقية، حيث تواصل روسيا تقدمها البطيء في دونباس مقابل دفاع أوكراني مكلف، والثاني يتمثل في حرب جوية تستهدف العمق الاستراتيجي للطرفين، بهدف إنهاك الاقتصاد، وتعطيل الصناعة العسكرية، وتقويض القدرة على مواصلة القتال.

التكنولوجيا تحسم.. والدفاعات تحت الضغط

يعتمد هذا التحول على سباق متسارع في تطوير التكنولوجيا العسكرية، حيث كثفت روسيا إنتاج طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة مستوحاة من الطراز الإيراني “شاهد”، وزودتها بمحركات نفاثة.

كما تعمل على تطوير صواريخ كروز اقتصادية وإطلاق أقمار صناعية لدعم أنظمة التوجيه والملاحة، إلى جانب الاستخدام المكثف للقنابل الانزلاقية الموجهة بالأقمار الصناعية التي أحدثت دماراً واسعاً في المدن الأوكرانية.

في المقابل، استثمرت كييف في تطوير أجيال جديدة من الطائرات المسيّرة الهجومية والهجينة المزودة بأنظمة ملاحة واتصالات أكثر تطوراً، ما أتاح لها تنفيذ ضربات دقيقة داخل العمق الروسي، بالتوازي مع تجارب على أول صاروخ باليستي محلي الصنع.

كما يعتمد الطرفان بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي وأنظمة التشغيل الذاتي لمواجهة التشويش الإلكتروني، في تطور يعكس انتقال المنافسة من مجرد امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة على توجيهه وإبقائه فعالاً في بيئة إلكترونية معقدة.

لكن هذا السباق يفرض ضغوطاً متزايدة على الدفاعات الجوية. فأوكرانيا تعاني نقصاً حاداً في صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، وهي المنظومة الوحيدة القادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية الروسية، بينما تعرقل محدودية المخزونات الغربية وتباطؤ الإمدادات جهود كييف لسد هذا العجز.

وفي المقابل، تواجه روسيا معضلة مختلفة تتمثل في اتساع رقعتها الجغرافية، إذ أجبرتها الضربات الأوكرانية بعيدة المدى على إعادة توزيع منظوماتها الدفاعية بين حماية الجبهة وتأمين المدن والمنشآت الحيوية، ما أوجد ثغرات استغلتها كييف لاستهداف مصافي النفط، والمخازن اللوجستية، وحتى منشآت قريبة من موسكو.

ورداً على ذلك، لجأت موسكو إلى إجراءات دفاعية استثنائية، شملت نشر منظومات “بانتسير” فوق المباني المرتفعة، وتعزيز الحماية البحرية للمناطق الشمالية، مع مواصلة إنتاج صواريخ كروز والطائرات المسيّرة الاعتراضية ومنظومات “إس-300″ و”إس-400”.

كما تستفيد الصناعات الدفاعية الروسية من سلاسل إمداد تمكنت من تجاوز آثار العقوبات عبر الحصول على إلكترونيات دقيقة وتقنيات مزدوجة الاستخدام، ما يسمح بالحفاظ على وتيرة إنتاج مرتفعة.

وفي المقابل، تشير التقديرات الأوكرانية إلى أن موسكو تنتج نحو 120 صاروخاً باليستياً شهرياً، فضلاً عن حصولها على صواريخ من كوريا الشمالية، في حين تراهن روسيا على أن قدرتها الصناعية ستنجح في استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية قبل أن تتعرض منظومتها الدفاعية لانهيار مماثل، وهو رهان قد يحدد مستقبل الحرب في المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى