تحليلات و آراء

حين ينتصر الضمير الإنساني على روابط الدم والعروبة والدين

حيدر العيلة..
غزة – فلسطين

مرحى لرئيس وزراء أسبانيا ولا عزاء لمن خذل غزة من الملوك والأمراء والرؤساء العرب

في مشهد يحمل الكثير من الدلالات، ردّ رئيس الوزراء الإسباني على رسالة بعثت بها طفلة فلسطينية من غزة، معبراً عن تضامنه معها، ومؤكداً وقوفه، ومعه الشعب الإسباني، إلى جانب غزة والشعب الفلسطيني.
قد يبدو الأمر للبعض مجرد موقف إنساني عابر، لكنه في الحقيقة يكشف حجم التحول في الوعي العالمي تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون من حرب إبادة وتجويع وحصار.

إن قيمة هذا الموقف لا تكمن في الرسالة وحدها، بل في أن صوت طفلة محاصرة وصل إلى مسؤول في دولة بعيدة، فاختار أن يصغي إليه ويعلن تضامنه، في المقابل، ما زالت مواقف كثير من الأنظمة العربية والإسلامية عاجزة عن الارتقاء إلى الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه شعب تربطه بها روابط الدين والقومية والجغرافيا والمصير.

لقد شاهد العالم بأسره أطفال غزة يموتون جوعاً، ومستشفياتها تُقصف، ومدارسها تُدمر، ومدنييها يُقتلون تحت الأنقاض، بينما بقيت حدود عربية مغلقة، واستمرت أشكال مختلفة من العلاقات والتبادل التجاري مع دولة الاحتلال، وكأن ما يجري لا يعني أحداً.

المفارقة المؤلمة أن من لا تربطه بنا سوى قيم العدالة والإنسانية رفع صوته دفاعاً عن غزة، بينما اكتفى كثير ممن يرفعون شعارات العروبة والدين ببيانات الشجب والاستنكار، أو بالصمت، أو بسياسات لم تخفف معاناة الفلسطينيين، بل بدت في نظر كثيرين أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى مواجهتها.

ليست القضية في مقارنة دولة بأخرى، ولا في تمجيد هذا الطرف أو ذاك، وإنما في طرح سؤال أخلاقي وسياسي: كيف أصبح الضمير الإنساني في أماكن بعيدة أكثر حضوراً من ضمير كثير ممن يفترض أنهم الأقرب إلى فلسطين؟

سيذكر التاريخ من وقف إلى جانب الضحية، ومن اختار الصمت، ومن قدّم المصلحة السياسية على المبادئ الإنسانية. فالمواقف، لا الشعارات، هي التي تصنع مكانة الأمم في ذاكرة الشعوب.

غزة، وهي تنزف، أعادت تعريف الإنسانية، فقد أثبتت أن الانحياز للمظلوم لا تحدده الهوية الدينية أو القومية أو الجغرافية، بل تحدده الشجاعة الأخلاقية والضمير الحي، لذلك نجح كثير من أحرار العالم في هذا الامتحان، فيما يواصل كثيرون في منطقتنا العربية والإسلامية، مرةً تلو الأخرى، تسجيل سقوط أخلاقي ووطني وإنساني سيبقى وصمة عار في صفحات التاريخ.

تحية اعتزاز واحترام لرئيس وزراء إسبانيا وللشعب الإسباني الشقيق …
ولا عزاء لمن خذل غزة من الملوك والأمراء والرؤساء العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى