آخر الأخبارتحليلات و آراء

غزة.. وثنائية إعادة الإعمار ونزع السلاح..؟!

سليم الزريعي

ونحن على بعد أيام فقط من شهر يناير 2026، الذي وعد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أنه سيكون بداية انطلاق هندسة وضع غزة بما يتفق  وقرار مجلس الأمن رقم  2803، تشير كل المعطيات، إلى أن الأمر ما يزال غير واضح، لجهة تنفيذ القرار، أو لجهة قوة الاستقرار الدولية ذاتها، لا سيما الدول المشاركة، والدور والمهام والصلاحيات. في ظل محددات أساسية هي قد تكون عقبات لا يستهان بها، كون الكيان الصهيوني هو أحد المرجعيات في ذلك، وهو العدو. وربما ينتظر ترمب اجتماعه مع نتنياهو قبل نهاية هذا الشهر لحسم ذلك.

 نص معياري

ومع ذلك وبعيدا عن أي تفسير رغبوي من البعض جاءت الفقرة السابعة من قرار مجلس الأمن، لتحدد أي قطاع غزة هو الذي  ستعمل واشنطن على هندسته بشراكة صهيونية أمريكية وعربية وإسلامية تحت مظلة دولية، بأن تعمل على  “تحقيق استقرار البيئة الأمنية في غزة من خلال ضمان عملية إخلاء قطاع غزة من السلاح، بما في ذلك تدمير ومنع إعادة بناء البنية التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية في القطاع، وكذلك سحب أسلحة الجماعات المسلحة غير الحكومية من الخدمة بشكل دائم؛ وحماية المدنيين، بما في ذلك العمليات الإنسانية؛ وتدريب قوات الشرطة الفلسطينية التي سبق فرز أفرادها وتقديم الدعم لها؛ والتنسيق مع الدول المعنية لتأمين الممرات الإنسانية؛ والقيام بأي مهام إضافية قد تكون ضرورية لدعم الخطة الشاملة. وبينما تعمل القوة الدولية على بسط السيطرة وتحقيق الاستقرار، سينسحب جيش الدفاع الإسرائيلي من غزة استنادا إلى معايير ومعالم محددة وأطر زمنية مرتبطة بنزع السلاح يتم الاتفاق عليها بين جيش الدفاع الإسرائيلي والقوة الدولية والجهات الضامنة والولايات المتحدة، باستثناء وجود طوق أمني سيستمر إلى أن تصبح غزة في مأمن تام من عودة ظهور أي تهديد إرهابي”.

 الكيان يدلي بدلوه

لم يتأخر الكيان فقد سبق معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لقاء ترمب نتنياهو بنشر ورقة سياسات جديدة حول مستقبل غزة، وفق التصور الصهيوني، فالورقة ترسم إطارًا شاملًا لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، تقوم على نزع السلاح الكامل، ومنع عودة حركة حماس إلى الحكم، وربط إعادة الإعمار بإصلاحات فلسطينية عميقة، وصولًا إلى كيان فلسطيني منزوع السلاح بشروط دولية صارمة.

الوثيقة، التي أعدّها الجنرال المتقاعد والباحث الإسرائيلي أودي ديكل، تحمل الرقم 2072، وتُعد من أكثر التصورات تفصيلًا لما يُعرف بـ«اليوم التالي في غزة»، مع منح الولايات المتحدة دور القيادة السياسية والأمنية والمالية للعملية.

 لا عودة إلى ما قبل الحرب

تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023 لم تعد ممكنة أو مقبولة، سواء من المنظور الإسرائيلي أو الدولي. وترى أن أي مقاربة مستقبلية يجب أن تمنع إعادة ترسيخ حماس، وأن تستند إلى مفهوم تنظيمي جديد يعالج في آن واحد الجوانب الأمنية، والإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية.

وبحسب الوثيقة، فإن فشل النماذج السابقة في غزة يفرض الانتقال من حلول جزئية أو مؤقتة إلى عملية مرحلية خاضعة للرقابة الدولية.

 الأمن أولًا: نزع السلاح شرط لأي إعمار

وتعتبر الورقة أن نزع السلاح الكامل في قطاع غزة حجر الزاوية في المقترح. وتؤكد الورقة أن إعادة الإعمار، والمساعدات الاقتصادية، وعودة الحياة المدنية، كلها مشروطة بتفكيك جميع التنظيمات المسلحة، وجمع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وتدمير البنى التحتية العسكرية، بما في ذلك الأنفاق ومنشآت تصنيع السلاح.

لكن وبعيدا عن ورقة الكيان، هناك تلازم منطقي بين إعادة الإعمار والسلاح، عدم إدراك البعض لهذه الثنائية، جعل بعض من يطالب بإعادة الإعمار، يعيش حالة وهم مرضي، كونه يعتبر أن إعادة الإعمار هو حق مطلق، في حين أنه ما من عاقل يعتقد ذلك، لأن السؤال هو هل سيتجاهل المستثمرون، السبب الذي حول غزة إلى كومة من الركام؟ وما هي مآلات إعادة الإعمار منذ عملية الرصاص المصبوب في 27/12/2008، إلى ما قبل طوقان حماس؟  وما الذي يمنع من تكرار ذلك؟ ولذلك يبدو   واهما كما نظن، من يعتقد أن هناك مستثمرا واحدا سيقدم على المساهمة في إعادة إعمار غزة طالما أن هناك إمكانية لإعادة إنتاج الوضع السابق الذي أقامته حركة حماس في غزة بعد انقلابها عام 2007 وفصلت بموجبه القطاع عن الضفة جغرافيا وديمغرافيا وإقامة حكم إسلاموي في غزة، لم يتعامل معه سوى الدوحة وأنقرة، وكي لا يعاد إنتاج ما كان قائما قبل طوفان حماس.

بل إن وزير الخارجية الأمريكي ربط وجود خارطة طريق سياسية وأمنية وإعادة الإعمار مشروط بنزع  السلاح حيث أكد “لن يستثمر أي طرف في إعادة بناء غزة إذا ظل احتمال الهدم قائماً، ولذلك فإن نزع سلاح حماس أمر حيوي للغاية؛ فإذا امتلكت الحركة مستقبلاً القدرة على تهديد إسرائيل، فلن يكون هناك سلام”.

 لقاء ترمب نتنياهو

وفي سياق ترتيبات هذه الهندسة من المتوقع أن يكون قطاع غزة محور لقاء الرئيس الأميركي مع نتنياهو بولاية فلوريدا، ذلك أن الإدارة الأميركية، بما في ذلك المبعوث الخاص لترمب، ستيف ويتكوف،ترغب في الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، قريبًا، “لكن المشكلة تكمن ببساطة في عدم وجود أي مرحلة في الواقع، فلا توجد قوة متعددة الجنسيات، ولا خطة حقيقية لنزع سلاح حماس، ولا يوجد في الاتفاق أي وعد بإعادة جميع المحتجزين”، علما بأنّ الكيان الصهيوني قد استعادهم جميعهم أحياء وأمواتا، باستثناء جثة أسير واحد فقط.

 

عقبات

قد يبدو مقنعا ما تطالب به حماس وتحالفها الفصائلي من دعوة إلى بدء المرحلة التالية، وهي فيما تعتقد تتعلق بانسحاب جيش الاحتلال، وإعادة الإعمار بشكل أساسي إضافة إلى فتح المعابر ودخول المساعدات دون قيد أو شرط، في حين أن الموضوع أكثر تعقيدا ويتعلق بوجود حماس في ذاته، ليس لأنه هو الصواب، ولكن لأن تلك هي نتيجة تلك الحرب الدموية، بأن تتخلى عن سلطتها التي هي في الأساس غير شرعية، واستعدادها للقبول بترتيبات لنزع سلاحها، وهو الاستعداد الذي مهما كان الغلاف الذي سيخرج فيه، هو تصرف لا يمكن تصور إقدام أي  قوة حرة على فعله، إلا عبر إكراه، سواء كان إكراها ماديا أو معنويا أو الاثنين معا،  ذلك أن المنتصر لا يمكن أن يفرط في سلاحه وسلطته اللذان هما مصدر قوته، في غياب قوة الشرعية. إلا إذا كان ما تعيشه حماس وتحالفها الفصائلي، ليس كذلك في الواقع.

 انسحاب.. مسطرة صهيونية

قد لا  يفاجئ البعض ولكن ليس أولئك الذين ما يزالون في حالة غيبوبة، تصريح وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس يوم الخميس، بأن “إسرائيل لن تخرج أبداً من غزة، وستكون هناك منطقة أمنية، منطقة أمنية مهمة. حتى بعد أن ننتقل إلى مرحلة تفكيك حماس وبنيتها، ستبقى منطقة ذات أهمية تُقام داخل غزة، في مواقع مسيطرة، من أجل حماية الاستيطان”.

هذا الحديث من قبل وزير الحرب الصهيوني بقدر ما هو نسف لكذبة الانسحاب الشامل، غير أنه في الواقع ترجمة نصية لما جاء في الفقرة 7 من قرار مجلس الأمن حول خطة ترمب الذي أجاز ذلك عير النص على” الانسحاب من غزة استنادا إلى معايير ومعالم محددة وأطر زمنية مرتبطة بنزع السلاح يتم الاتفاق عليها بين جيش الدفاع الإسرائيلي والقوة الدولية والجهات الضامنة والولايات المتحدة، ولكنه يستثني من الانسحاب ما سماه” وجود طوق أمني سيستمر إلى أن تصبح غزة في مأمن تام من عودة ظهور أي تهديد إرهابي”.

فلا انسحاب كامل بل مشروط وبمحددات صهيونية، وهذا الانسحاب لا يشمل الطوق الأمني الذي سيحيط بغزة، وسيستمر ما استمر ما تعتبره  دولة الاحتلال تهديدا لها، الذي هو وجود الشعب الفلسطيني في ذاته.

فهل ينجح ترمب ومعه الكيان الصهيوني، في هندسة وضع غزة والموضوع الفلسطيني بشكل عام، بما يتوافق، والرؤية الأمريكية الصهيونية .. في ظل غياب فلسطيني موحد.. يملك مشروعا وطنيا فلسطينيا لا فصائليا، في مواجهة ترمب ونتنياهو، ذلك فيما نعتقد هو السؤال الذي ستجيب عليه الأيام المقبلة..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى