بين “مخالب” الترجمة ومصاف القرار.. رفقة العش: قصة محاربة صاغت قدرها بـ “عدالة الكلمة”

فنلندا نيوز 24
بين صورة رائدة الأعمال والسياسية التي تضع بصمتها اليوم في مجالس القرار بمدينة “فانتا”، وبين صورة تلك الشابة التي كانت حياتها تتهاوى كلياً قبل عقد من الزمان، تكمن حكاية قوامها الإرادة والتمرد على الانكسار. رفقة العش التي باتت اليوم صوتاً جهوراً للمهاجرات ومترجمةً تصون حقوق القادمين الجدد، لم تصل إلى هذه القمة إلا بعد أن خاضت غمار رحلة شاقة بدأت من “القاع”.
في تقرير إنساني معمق نشرته منصة “Satakieli”، نغوص في كواليس قصة بدأت فصولها عام 2009؛ حين وصلت رفقة إلى فنلندا حاملةً أحلاماً بالاستقرار، لتصطدم بواقع مغاير تماماً.
يرسم التقرير مفارقة حادة؛ فخلف هذا النجاح الحالي، عاشت السيدة رفقة قبل عشر سنوات مرحلة وصفها التقرير بأن كل شيء فيها كان “يتفكك”. فمنذ قدومها، واجهت واقعاً أُسرياً مأزوماً، حيث تحول شريك حياتها آنذاك إلى مصدر للإساءة العاطفية والمادية، وهي ضغوط تضاعفت وطأتها في ظل انعدام المهارات اللغوية وغياب السند الاجتماعي، مما جعلها أسيرة عزلة خانقة ومواجهة غير متكافئة مع واقع جديد سلبها القدرة على التحكم في أبسط تفاصيل حياتها.
يتوقف التقرير عند المحطة الأكثر مأساوية في مسيرة رفقة؛ وهي عام 2014، حين تسببت فجوات التواصل وتحريف مقاصد كلماتها أمام الجهات الرسمية في فقدانها حضانة أطفالها وإيداعهم دور الرعاية البديلة. وهي اللحظة التي تصفها الأم رفقة بأنها كانت “النقطة الأكثر تدميراً” في حياتها، حيث أدى القصور في الترجمة الفورية وعدم الإلمام بالخصوصيات الثقافية إلى تحويل حاجز اللغة من “عائق تواصل” إلى “أداة هدم” لاستقرارها الأسري.
لم يكن طريق العودة مفروشاً بالورود، بل شقته رفقة عبر بوابة “المعرفة”. انتقلت من ضحية لقصور الترجمة إلى مترجمة محترفة ورائدة أعمال تقدم الاستشارات الاستراتيجية، واضعةً نصب عينيها هدفاً مقدساً: “ألا يسقط مهاجرٌ آخر في فخ الكلمات المحرّفة”. هذا النضج المهني قادها أيضا إلى أروقة الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SDP)، لتعبر من معاناة الهامش إلى مركز القرار كسياسية فاعلة في مجلس مدينة “فانتا”، مؤمنةً بأن التغيير لا يُصنع إلا حين يجلس المهاجرون بأنفسهم “داخل الغرفة”.
رغم نجاحاتها الساطعة وحضورها الرقمي والسياسي الطاغي، تظل قضية أطفالها هي الجرح المفتوح الذي يمنح مسيرتها صدقاً إنسانياً بعيداً عن بريق الشعارات. إن رفقة اليوم لا تقدم قصة نجاح، بل تقدم درساً في الكبرياء؛ إذ ترفض تعريف نفسها كـ “ناجية” من ظروف قاسية فحسب، بل كـ “محاربة” أعادت تشكيل قدرها بيديها.
تختتم السياسية رفقة رحلتها التي وثقتها “Satakieli” بكلمات تحمل ثقل التجربة وعمق اليقين: “المصاعب لم تكسرني بل صقلتني.. إنها لا تمنحنا النهاية بل تمنحنا الخيار؛ فإما أن نرتدي ثوب الضحية للأبد، أو نتقلد درع المحارب لنصنع بدايةً تليق بنا”.















