برقيات عاجلة للقاص رسلان عودة

مجموعة الأديب رسلان عودة القصصية التي تحمل عنوان ( أحرف العلة … وعلل أخرى) تكاد تكون خالية من العلعلة والعنعنة والتعتعة ، لأن القصص الأربع عشرة مقصقصة ومدروزة عند خياط لغوي بارع ، ومصمم أزياء أدبية ماهر وصانع ، والقصص كلها مكتوبة بقلمٍ خبير لاذع .
بدايتي مع الأستاذ رسلان عودة كانت مع قراءة قصته الساخرة (الجهة الخامسة ) حول شخص محصور لا يتسنى له أفراغ مثانته في الجهات الأربع ، لوجود كوابح إدارية وسياسية ودينية وموانع سلطوية جائرة ، وتحت ظرف ملزم يفعلها عند قدمي تمثال مهيب لقائد زائل .
هي قصة ذات أبعاد سياسية واضحة ، بأسلوب ساخر يذكرنا بروح كتابات ادباء مرحين سوريين على شاكلة الماغوط وحسيب كيالي وزكريا تامر .
واللافت في هذه القصة التي ترتكز على قضاء حاجة فيزيولوجية غريزية فاضحة ، أن القاص رسلان عودة استنبط لغة ومفردات ومخارج أسلوبية رفع القصة من مستواها الفيزيولوجي المتدني إلى مستوى آيديولوجي ، بمسحة موقرة ومهذبة ، وهو عبور ناجح يتّسم بالفطنة والذكاء .
وعندما قرأت كامل قصص المجموعة المذكورة أعلاه ، تبين لي باتساع الرؤية أن قدرة رسلان وفطنته وذكائه في اختيار اللقطة القصصية وخاتمته المدهشة والمفاجئة للقارئ ، تنسحب على كل قصصه .
ومن خبرتي الطويلة في مسؤوليتي ورعايتي لمسابقات دار سعاد الصباح للنشر في الكويت ، لسنوات طويلة ، حين كنت نائباً لمديرها العام ، ومنها مسابقة سنوية للقصة القصيرة ، أن جناحي أي قصة ، لا تحلق عالياً إلا باللقطة والخاتمة ، وبهذين الجناحين طار رسلان عودة في فضاء المتعة والمهارة والأدب .
وأنوه هنا أن قوس مواضيع المجموعة كان واسعاً جداً ، وقد توزع على : الذاتي ، والاجتماعي ، والإنساني ، والوطني والسياسي ، والمشهدي ، والسيريالي ، بل وحتى الغرائبي العجائبي والتخييلي المحض !
بعض كتاب القصة القصيرة يؤثرون نشر قصص ذات روح وموضوع متشابه ، ورسلان لم يفعل ذلك ، لأنه كتبها باعتقادي الشخصي على فترات زمنية متباعدة ( قصة “غاب نهار آخر” 2009/ “كان يوماً ماطراً” 2011 /”دم وزعتر” 2014 / والمجموعة منشورة عام 2016) , وهو الأمر أن الكاتب متمهل في الإنتاج ، ومع تغير الظروف والمزاج ، جاء قوس مواضيع المجموعة كان واسعاً كما سبق وذكرت .
قوس المواضيع :
من القصص الذاتية ، قصة “الصابئ” ، فالراوي ، على احتمال تماهيه مع الكاتب نفسه ، متمرد على المالوف والمعتاد ، وهو الرافض والمشكك واللامنتمي إن استعرنا عنوان كتاب كولن ولسون .
ثلاث قصص تعالج مظاهر اجتماعية مألوفة في عالمنا العربي والإسلامي ، إذ أن
قصة “الوحوش في الغابة الأخرى” تجول وتبحث في طبائع البشر الفطرية وتجلياتها ، ومقارنتها بطبائع الحيوان ، مما ألفناها في “كليلة ودمنة” . وتحمل الثانية عنوان ” عبدون” عن طفل فلسطيني يفقد عائلته بالقصف ، وتتبناه أسرة في عدادها بنات ، وحين يصل الطفل سن البلوغ يقرر الأب عزل الولد عن الأم التي ربته ، وعن مخالطة البنات ، قائلاً : (نعم نحن رَبَّيْناه، لكن هذا الولد ليس من صلبي . وحرام شرعاً بعد أن بلغ الحلم أن يعيش معكم كما لو أنه منكم. هذا ما قاله العلماء وأمر به الشيخ عبدون ) ص78 . أما الثالثة وعنوانها ” شال ليلى” ، التي لا تنجب على رغم سلامة وظيفة الإنجاب ، فيحبسها زوجها العاقر لسبع سنوات ، ويحرمها من حقها في العيش والحياة ، فيختل إدراكها ، وتتوهم انها ترى رجلا جالسا أمام نافذة سجنها ، فتكسر اوامر الزوج وتخرج للقاء ذلك الإنسان الجالس ، وتموت بين يديه من البرد والشال في حضنه ، لنكتشف في الخاتمة أنه تمثال من الحجر !
وكل خيوط السرد والمعاني في قصص المجموعة موسومة بطابع وهموم إنسانية واضحة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، قصة ” نصف ساعة ” عن قطيعة الأب لابنه ، وهو الذي يكد ويشقى ويتعب لتأمين رغيف الخبز لأسرته ، ولا يجد نصف ساعة لسماع شكوى ابنه من هذا الحرمان الأبوي ، كما يفعل آباء إخرون مع أولادهم ، فلا يجد الابن سوى أن يلقي الابن بين يديه كومة من الاوراق تحمل في طياتها قسوة الحرمان . لعل الأب يجد الوقت لقراءة ما في هذه الاوراق العاتبة .
وهكذا تمضي القصص لنجد قصة سياسية ترفض الاستبداد والتحكم بمصائر البشر وحرياتهم وخصوصا الريبة والشكوك التي تخنق الإنسان الفلسطيني ” لوسي ” ، والقصص الوطنية عن غزة واستشهاد الأطفال في عناوين تحرض على التمسك بالثوابت : ” دم وزعتر ” و ” كان يوماً ماطراً” و ” غاب نهار آخر” .
وتماديا في شد قوس المواضيع والعزف على أوتار التنوع ، يكتب رسلان قصة ” لا ظل لي” والراوي جنين في رحم أمه وشكواه من خروجه القسري بعيب في يديه من الرحم لمواجهة قبح العالم !
وقصة ” أحرف العلة” التي كانت عنوان المجموعة تنطوي على هم فلسفي رمزي مختلف عن القصص الثلاث عشر الأخرى .
يبقى كلمات لابد أن أنهي بها خاطرتي ، لغة المجموعة جزلة ، وجملها قصيرة ومتوترة ، وفيها من مجازات الشعر الكثير ، نحتفي بقاص فلسطيني بارع ، كما هو شأن الأدب والفكر الفلسطيني الذي أنجب محمود درويش وغسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا وإدوارد سعيد ، وتعلو موجته في بحيرة الأدب العربي الحديث ، وأتمنى للكاتب متابعة رحلته القلمية الأصيلة .
الدكتور نزال خليل العاني… سورية













